
وما إن تم توقيع عقد التهدئة وخرج أهل غزة فرحين معلنين انتصارهم؛ ثم كان هناك صف طويل من الفاشلين العاجزين عن المواجهة، الذين يرضون بأن يكونوا مع المختلفين، وتدور عيونهم بالخوف، كمن يغشى عليه من الموت، يترقب كل صرخة ضدهم… كانوا يصطفون على طريق الذل، مهاجمة المقاومة من كل جانب، والكتابة بأقلام العار ومداد الذل، كلمات العار من أجل اغتيال الفرح وتحقيق النصر. هزيمة.
عندما فرق الشهيد يحيى جنوده – بعد مرحلة من الاستعداد لا تخطر على قلب بشر – وقال لهم: من يبايعني عند الموت؟ ورفعوا أيديهم بالبيعة ومدوا دعاءهم إلى الله طالبين العون. ثم نادى المسلمين، عرباً وعجماً: من ينصرنا وله الجنة؟ وجاءه الجواب شفاهة قبل المقال: اذهب أنت وربك فقاتلا. هنا نجلس. فلا قوة لنا اليوم مع نتنياهو وجنوده، ولا قوة لنا مع أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وإذا عم الطوفان للجأنا إلى جبل الذل الذي يمنعنا من الماء. أنتم تزودون أنفسكم بمصادر الدمار.
فلما اشتدت الحرب واشتدت المعركة وبدأت آلة القتل تعمل وبدأت مواكب الشهداء تشق طريقها إلى الجنة، قال هؤلاء: هذا ما قلنا لهم وحذرناهم منه، أما نحن فالله. لقد أنعم علينا إذ لم نكن معهم شهودًا، وبدأ هؤلاء المرتعدون يوحي بعضهم لبعض بزخارف الكلام غرورًا. مستغلين جراح إخواننا، وصرخات أبنائهم، ودموع ثكلتهم، وهدم منازلهم لمزيد من تأجيج المقاومة، والتهكم على المقاومين، والاعتداء عليهم. فماذا يقولون؟ اليوم؟
فهل يتوقف هؤلاء مشايخ العار المعاقة، ولحى الباطل، وعمامات الشر، وكتاب العلمانية، ومرتزقة الأنظمة، وعملاء أوسلو ودايتون، وخفافيش التنسيق الأمني مع العدو المجرم؟ عن حرقك بالألسنة الحزينة؟
ولن يتوقف المنافقون الذين في قلوبهم مرض، والهزات في كل المدن حتى تظلم المياه، وترسوا سفينة التحرير، رافعة راية الحق، وتستقر على أرض فلسطين المباركة.. من أجل هذا والسبب أن غزة لم ترفع الراية البيضاء.
يقولون – ويقول بعض المخلصين أيضاً – إن حسابات الطوفان كانت خاطئة وخلف خمسين ألف شهيد ومائة ألف جريح، ناهيك عن الدمار الشامل في كل مناحي الحياة، ولم تكن حماس لتستفز عدوها وبهذه الطريقة دون حسابات لموازين القوى!!
أعود بهم إلى التاريخ بسرعة، ربما لإنعاش ذاكرتهم. فهل استفزتهم حماس – أم أنها موجودة أصلا – وتسببت في مؤتمر بازل عام 1897، أو اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، أو وعد بلفور عام 1917، أو مذبحة دير ياسين عام 1948، أو غزو مصر والأراضي الفلسطينية؟ الجولان عام 1967 أم حريق المسجد الأقصى عام 1969؟ أو مجزرة بحر البقر عام 1970، أو احتلال جنوب لبنان عام 1977 1978، أو احتلال بيروت عام 1982، وماذا فعلت حسابات القوة عندما تعرضت جيوشكم العربية مجتمعة لهزيمة نكراء عام 1948؟ ولهذا السبب “غزة لم ترفع الراية البيضاء”
ولم تكن المقاومة خالية من التواطؤ أو الرغبة في التخلص منها. فقال مبغضهم من مصر لعدوهم: «لا تكرم راحتهم». بل أضاف إليهم المزيد والمزيد، وقال في نص بتاريخ 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023: “تستطيع إسرائيل، إذا كانت هناك نية لتهجير الفلسطينيين من غزة. هناك صحراء النقب في إسرائيل ستنقلهم حتى تكمل مهمتها المعلنة في تصفية المقاومة والتخلص من حماس والجهاد الإسلامي وغيرها من الجماعات المسلحة، ثم تعيدهم بعد ذلك إذا أرادت”.
فها هم يخرجون إلينا بثياب الوطنية والبدلات للدفاع عن القضية ناهيك عن جهود الوساطة!!
وهنا ما رأيك في أن إسرائيل لم تتمكن من تهجير أهل غزة طوعاً أو قسراً إلى صحراء النقب أو غيرها؟
ما رأيك في أن إسرائيل لم تتمكن من تصفية المقاومة أو القضاء على حماس أو الجهاد الإسلامي أو أي شيء آخر؟
ما رأي خبراء التحليل السياسي الذين يرفضون تسمية ما حدث بأنه انتصار وما زالوا يعتقدون أن حسابات المقاومة كانت خاطئة وأن التكلفة كانت باهظة؟
ألم تفشل خطة التهجير؟
ألم تفشل خطة الجنرالات؟
ألم تفشل خطة التركيز وعدم الانسحاب من نتساريم وفيلادلفيا؟
ألم تفشل خطة القضاء على المقاومة؟
ألم تفشل خطة استعادة الرهائن بالقوة؟
وبعد ذلك وقبل ذلك.. ألم تفشل معركة كسر الإرادة؟
إن غزة الصامدة، التي لم ترفع الراية البيضاء، تحتاج الآن إلى إعادة تأهيل النفوس الثكلى قبل المنازل المهدمة. إنها تحتاج إلى مواساة الأمهات الثكالى والأطفال الأيتام والزوجات المحتضرات. غزة ليست بحاجة لحساباتكم السياسية وتحليلاتكم العبقرية. إما أن تقول خيراً أو تصمت.
المشكلة عند الكثيرين هي منطلقات التفكير واختلاف المعايير والمقاييس. وأتذكر هنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الطائفة المقاومة في القدس وأطراف القدس: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق». إن احتضان الحق والدفاع عنه والظهور من أجله والموت في سبيله هو جوهر النصر وهو عقيدة المسلم. أما مسألة حسابات تكافؤ القوى وحسابات الأعداد – رغم أهميتها – فقد رفضت قديما وحديثا بنصوص القرآن والسنة أو أدلة التاريخ. ولا ينبغي أن ينسى الشاب الفطن أن جهاد الرد يختلف عن جهاد الطلب، وهو واجب على كل مسلم ومسلمة إذا انتهكت الحرمات، وانتهكت الحرمات، واحتلت الأرض، واحتلت الأرض. الشرف ينتهك. فالجهاد واجب بما أمكن، فقال الله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، وقال الله تعالى: “وكم من فئة من الناس”. لقد غلبت فئة قليلة فئة كبيرة بإذن الله».
ولهذا السبب اتخذت غزة الخطوات اللازمة وقاتلت بكل ما تستطيع… لكن غزة لم ترفع الراية البيضاء.
وصمدت غزة في وجه عدوها وحلفائها، قوى الاستكبار والاستعمار، وأضعفتها أسراب الطائرات وترسانات الأسلحة والأساطيل البحرية والدبابات البرية والمدافع القمعية التي حلت بها.
غزة لم تخطئ في حساباتها إلا في تقديرها حجم الدعم والمساندة من الدول العربية والإسلامية، وهذه الخيانة والخزي والعار والخنوع، بل ومساعدة البعض لأعداء الأمة وما حدث داخليا من خونة للتنسيق اللاأخلاقي مع العدو الغاصب، لم يخطر على بال قادته.
إن غزة الصامدة، التي لم ترفع الراية البيضاء، تحتاج الآن إلى إعادة بناء النفوس الثكلى قبل المنازل المهدمة. إنها تحتاج إلى مواساة الأمهات الثكالى والأطفال الأيتام والزوجات المحتضرات. غزة ليست بحاجة لحساباتكم السياسية وتحليلاتكم العبقرية. إما أن تقول خيراً أو تصمت.
السلام على شعب فلسطين. السلام على شعب غزة العظيم.
السلام على غزة يا روح الروح..
السلام على غزة التي أحيت ما مات من الأمة.
السلام على غزة. ولم يضعفها ما حدث لها في سبيل الله. ولم تضعضع، ولم تخضع، ولم تستسلم، ولم ترفع الراية البيضاء.
















