
7 أكتوبر 2023.. يوم بطولي مختلف جذريا في مسيرة المقاومة الفلسطينية على طريق الحرية، لأنه نقلها من ساحة العمليات الدفاعية المحدودة، إلى مفاجأة العدو بهجوم غير مسبوق منذ عام 1948، إلى وكسر هيبتها العسكرية والاستخباراتية والمساس بعمق أمنها الاجتماعي والسياسي، وإجبارها لاحقاً على التفاوض. .
بل خلقت الشك الوجودي الأكبر في أسطورة الكيان الصهيوني ومشروعه الإمبريالي الغربي، وفتحت الباب أمام سيناريوهات أمنية حول مستقبل “إسرائيل” في المنطقة، للمرة الأولى بشكل جدي، مقابل استعادة الثقة في الذات الفلسطينية التحررية وأخذ زمام المبادرة، في الوقت الذي اطمأن فيه زعماء «إسرائيل». ويسعى أتباعها العرب إلى تصفية القضية المركزية عبر خطة التطبيع و«اتفاقات إبراهيم».
ومن هذا المنظور الاستراتيجي، لا بد من تقييم جدوى «طوفان الأقصى». أما التكاليف البشرية والمادية، فهي ضريبة إلزامية في كل ثورات الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية، وتزداد قيمتها وفقا لطبيعة المشروع الاستعماري، والظروف الجيوسياسية المحيطة به، والسياقات الدولية من أحد. مرحلة إلى أخرى، فالقضية الفلسطينية اليوم تشكل واقعاً. إنه استثنائي في تاريخ الاحتلال، بخلفياته وتشعباته واختلاف موازين القوى العسكرية، لكن الفلسطينيين يظلون متمسكين بالحق الأبدي في الأرض والمقدسات.
من المؤكد أن قيادة المقاومة كانت تدرك خطورة ما قامت به في 7 أكتوبر، لكنها في الوقت نفسه كانت تترقب مكاسبها الاستراتيجية ولو بعد حين، خاصة أن القرار لم يكن اختياريا، في ظل حالة الجمود. بل التحضير النهائي للدخول في مرحلة التصفية وبيع باقي ملفات القضية. السلطة الفلسطينية في مزاد القوى الإقليمية والعالمية، بتواطؤ عربي مفتوح.
لذلك، يمكن التأكيد على أن يوم 19 يناير/كانون الثاني 2025، وهو تاريخ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بعد حوالي 470 يومًا من العدوان الصهيوني والغربي الغاشم على غزة، هو علامة بارزة أخرى في الانتصارات الأسطورية للمقاومة الفلسطينية.
قد يتساءل البعض بحسن نية، والبعض الآخر محبط: كيف يمكن وصف خسارة ما يقرب من 50 ألف شهيد، وإصابة 110 آلاف فلسطيني، وتدمير 80 بالمئة من عمارة غزة، بأنه انتصار على الكيان الصهيوني، مقارنة بالنصر على الكيان الصهيوني؟ خسارة 840 جندياً فقط من جيش الاحتلال وتحرير بضع مئات بل آلاف الأسرى؟
إن هذا التوجه الرقمي في قراءة المشهد الفلسطيني مخطئ تماما، لأنه يتجاوز منطق التحرر والتشبث بالكرامة الإنسانية، تماما كما يقفز على حالة المقاومة ويضعها في ميزان حرب الدول المتساوية والجيوش النظامية. .
وليكن واضحا في تفكير العقلاء والشرفاء أن الانتصار في نمط المقاومة هو كبح جماح العدو الصهيوني عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية التي حشد من أجلها وتحمل الإرهاق العسكري والاقتصادي والسياسي والأخلاقي، داخليا وأمام العالم. الرأي العام، لكنه لم يحقق منه شيئاً، وفي النهاية جلس للتوقيع على اتفاق وقف العدوان. قبول صفقة ثنائية وفق شروط الطرفين.
ألم يهدد نظام “ياهو النتن” اللعين بتحرير جميع الأسرى قسراً، وإخلاء قطاع غزة من حماس نهائياً، وتصفية المقاومة بشكل كامل؟ لقد أراد تهجير الفلسطينيين من خلال حرب إبادة همجية، من خلال قتل الفلسطيني أينما كان، ومن خلال اجتياح بري مجنون وتدمير كل ما وصلت إليه قواته في غزة، حتى لو كان مبنى مدنياً أو مسجداً أو مسجداً. كنيسة، مستشفى، مدرسة، ملجأ، هيئة إنسانية أو دولية، أو مقر صحفي.
لقد ارتكب الجيش الإسرائيلي، مسنوداً بآلة الحرب الأمريكية الجبارة، كل الجرائم التي يمكن أن يرتكبها والتي تفوق طاقته وخياله البشري، لكنه في النهاية أذعن للتوقيع على اتفاق مع الطرف الآخر، حماس نفسها، من أجل تسليم السلطة. الأسرى أنفسهم، فيما واصلت وحدات المقاومة البطلة تدمير مدرعاتها وجنودها. بالتوازي مع إدارتها للأعمال الإغاثية الميدانية، رغم كل الخسائر الفادحة التي منيت بها، والتي طالت جميع مستوياتها القيادية. القاعدة، بينما ظل الشعب الفلسطيني صامدا تحت القصف، متنقلا بين الشمال والجنوب، متمسكا بالحياة على أرضه، في ظروف تخجل الإنسانية وكل مؤسسات المجتمع الدولي.
في هذه الأثناء، تراجعت الرواية الصهيونية عن اضطهاد اليهود عبر التاريخ منذ حادثة “الهولوكوست” المزعومة، ليكتشف العالم مرة أخرى وحشية هذا الجنس البشري الشاذ، ومدى انتهاكه لكل القواعد الدولية والقانونية والأخلاقية. القوانين وتجاهلها للمؤسسات الدولية.
كل ما بنته الرواية الغربية طوال 76 عاماً من الخداع بمؤسساتها الدعائية الإعلامية والفنية والأكاديمية حول «دولة إسرائيل» الديمقراطية ونموذج حقوق الإنسان و«الشعب اليهودي»، تبخر بتورط الكيان. في العدوان الأخير ردا على “طوفان الأقصى”.
ولم يتعرض الاحتلال الإسرائيلي قط لضغوط قانونية وأخلاقية وملاحقات قضائية وشعبية ونخبوية خارج العالم العربي والإسلامي، كما حدث منذ 7 أكتوبر 2023، حتى تحول إلى كيان منبوذ دوليا، تحتج الجماهير ضده. وممارساتها العدوانية في معاقل تأسيسها ودعمها التاريخي، كالولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا على وجه الخصوص. بين فئات شبابية وطلابية، مقابل الآفاق الإنسانية والزخم الذي اكتسبته القضية الفلسطينية على كافة الأصعدة، ورفعها إلى صدارة الأحداث الدولية بعد أن خطط أعداؤها لتدميرها إلى الأبد.
كل ذلك يشكل، وفق تقييم موضوعي، مؤشرات انتصار مشرق لقضية التحرير، ما كان ليتحقق لولا عقل المقاومة وعملها، والذي سيشهده الراصد عما قريب.
جريدة الشروق الجزائرية
















