الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب
في أرضٍ لم تلد يومًا إلا رجالًا من نار، نشأ وترعرع الشهيد. القائد/ علي صالح الحدي، أحد أشرس أبناء الحد – يافع، محافظة أبين، وأصدقهم موقفًا وأكثرهم وفاءً لقضية الجنوب، وواحدًا من أولئك الرجال الذين حملوا البندقية لا طلبًا للسلطة، بل دفاعًا عن الكرامة والحق.
نشأة وبدايات… في حضن الإيمان والأرض:
ولد البطل. علي صالح الحدي عام 1962م، في منطقة المسوح – الحد، يافع، محافظة أبين، في بيت جنوبي بسيط، لكنه عظيمٌ بمبادئه.
نشأ في بيئة تربوية، ودرس القرآن الكريم على يد العالم القاضي عبدالله العبادي، فترسخت في قلبه منذ الصغر معاني التضحية والصدق والعدل، وهي ذات القيم التي حملها معه إلى آخر لحظة في حياته.
جنديٌ جنوبي في جيش الوطن لا في جيش النظام:
في عام 1974م، انضم إلى الجيش الجنوبي برتبة ملازم أول، وخدم في صفوفه بإخلاص نادر. لم يكن مجرد جندي يطيع الأوامر، بل كان مشروع قائد، وعينًا لا تغفو على الجنوب.
قاتل دفاعًا عن تراب الجنوب في أكثر من جبهة، ووقف بشجاعة في وجه الغزاة القادمين من صنعاء في صيف 1994م، حين اجتاحت جحافل نظام صالح، ومعها حزب الإصلاح وبعض القبائل، أرض الجنوب بهدف سحق الدولة وتذويب الهوية.
كان موقفه من “الوحدة اليمنية” موقف رفضٍ واعٍ مبكر، إذ أدرك أن ما سُمّيت وحدة لم تكن إلا احتلالًا مقنّعًا.
ومنذ ذلك العام لم يُسجَّل له لحظة تردد، ولا موضع حياد، بل سُجّلت له مواقف نادرة في الصمود والمواجهة ضد الاحتلال، وكان يردد:
لا وحدة مع من ينهب الأرض ويقتل الإنسان، الجنوب ليس تابعًا ولا عبدًا لأحد.
من الحراك السلمي إلى حراك الدم:
حين انطلق الحراك السلمي الجنوبي، كان من أوائل المؤسسين، وأبرز القيادات الميدانية في محافظة أبين، يقود المسيرات، وينظم الفعاليات، ويتقدم الجماهير هاتفًا:
لا للاحتلال… نعم للحرية… الجنوب دولة وهوية!
لكنه لم يكن مجرد سياسي أو ناشط، بل كان قائدًا مقاتلًا ميدانيًا عنيدًا، يستنهض العزائم حين تخفت، ويبث الحماسة في صفوف الشباب حين يتعبون.
3 يناير 2010م، الفجر الذي سال فيه الدم النقي:
عرفه الاحتلال جيدًا… لذا لم يناموا حتى أطفأوا صوته الناري، ففي فجر الثالث من يناير 2010م، داهمت قوات الاحتلال اليمني منزل الحدي، في عملية غادرة وجبانة، وكأنهم كانوا يدركون أن خطره عليهم أكبر من أي جبهة، قاومهم حتى الرمق الأخير. قاتلهم في بيته كما يُقاتَل الغزاة في الميدان… وفي ملحمة صمود استُشهد معه:
- نجله البطل.
- ابنته الصامدة.
- ابن أخته الشجاع.
- وأحد المواطنين الشرفاء.
لكنه لم يسقط إلا شامخًا… لم يركع، ولم يستسلم، ولم يتوسل للغزاة… بل قاتل كما يعيش الشجعان: واقفًا.
جريمة لا تُنسى… وسحل لن يمحى:
بعد استشهاده، ارتكبت قوات الاحتلال اليمني جريمة بشعة تضاف لسجلها الدموي… قاموا بالتمثيل بجثته، وسحلها أمام مرأى ومسمع الجميع، في مشهد يعجز عن وصفه القلم وتضج له ضمائر الأحرار… ظنّوا أنهم بإهانته ميتًا سيكسرون الجنوب حيًا… لكنهم نسوا أن الشهداء لا يُهانون، بل يرتفعون إلى مرتبة القداسة.
لماذا نستذكر الحدي اليوم؟
لأن علي صالح الحدي لم يكن مجرد رجل… بل كان فكرة، والفكرة لا تموت… كان رجلًا لا يُشترى، ولا يُساوم، ولا ينسحب… بل قائدًا يُلهم.
ترك وراءه سبعة أبناء، وترك لنا نحن أبناء الجنوب وصيةً من نار تقول:
إما وطن… أو موت بكرامة.
الختام: في زمن المتحولين، واللاهثين خلف المناصب، والتائهين بين المواقف، يبقى الحدي رمزًا نقيًّا لما يجب أن يكون عليه الجنوبي:
1) صادق في مواقفه.
2) صلب في قراراته.
3) مستعدٌ للموت إذا كان الوطن يستحق.
سلامٌ عليك يا شهيد الجنوب وأحد أعمدته الثابتة…
سلامٌ على من قاوم في 1994م، ولم يعترف بالهزيمة، وعلى من استُشهد في 2010م، ليوقظ من كانوا نائمين.
نم قرير العين يا علي… فالجنوب اليوم يعرفك جيدًا.
– نائب رئيس تحرير صحيفة “عدن الأمل” الإخبارية، ومحرر في عدد من المواقع الإخبارية.

















