تقرير – عدن الأمل / خاص:
منذ انطلاق عمليات التحالف العربي في اليمن عام 2015م، بقي الجنوب لاعباً أساسياً في المعادلة العسكرية والسياسية. ومع صعود المجلس الانتقالي الجنوبي كلاعب منظم يمتلك رؤية سياسية ومؤسسات أمنية وعسكرية متماسكة، أصبحت العلاقة بين التحالف والجنوب محوراً أساسياً في أي قراءة معمقة للمشهد اليمني.
هذا التقرير يستعرض معطيات الواقع، ويحلل ما وراء السلوك السياسي للتحالف من جهة، وما يطرحه المجلس الانتقالي الجنوبي من ثوابت وطنية من جهة أخرى.
أولاً: التحالف… شريك عسكري ثابت وسياسي متحفظ:
على المستوى الأمني، لا خلاف على أن التحالف—خصوصاً السعودية—اعتمد بشكل أساسي على القوات الجنوبية في تثبيت الاستقرار في العاصمة عدن والساحل الغربي وحضرموت وأبين…
وقد أثبتت القوات الجنوبية خلال سنوات الحرب قدرة استثنائية في مكافحة الإرهاب ودحر الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون.
لكن على المستوى السياسي، يتخذ التحالف موقفاً أكثر حذراً. فالسعودية تتعامل مع ملف الجنوب ضمن مقاربة تقوم على إدارة التوازنات وليس حسم الخيارات.
ويمكن تفسير ذلك من خلال ثلاثة اعتبارات رئيسية:
1- الحساسية الإقليمية لأي تغيير سياسي جذري في جنوب اليمن.
2- سعي الرياض إلى إنهاء الحرب عبر تسوية شاملة تشمل كل الأطراف، بما فيهم الحوثيون.
3- خشية التحالف من تفكك المشهد السياسي في حال تم تمكين طرف واحد على حساب آخر.
هذه المقاربة تجعل التحالف يرسل رسائل مزدوجة أحياناً؛ دعم عسكري مستمر، يقابله تحفظ سياسي واضح.
ثانياً: المجلس الانتقالي الجنوبي… مشروع دولة يستند إلى قاعدة شعبية واسعة:
المجلس الانتقالي، ومنذ تأسيسه عام 2017م، لم يقدّم نفسه كطرف سياسي طارئ، بل كحامل للقضية الجنوبية وممثل لها في المحافل السياسية.
وينطلق الانتقالي من رؤيته الأساسية القائمة على:
- حق الجنوب في تقرير مصيره السياسي.
- بناء مؤسسات أمنية وعسكرية مستقلة ومتماسكة.
- إعادة الاعتبار للهوية الجنوبية بعد عقود من التهميش.
هذا التماسك المؤسسي، إلى جانب شيء أهم وأكثر تأثيراً:
القاعدة الشعبية الكبيرة التي يحظى بها الانتقالي في معظم محافظات الجنوب، جعلته رقماً يصعب تجاوزه سياسياً أو عسكرياً.
وبسبب هذا الثقل الشعبي والمؤسسي، أصبح الانتقالي شريكاً لا يمكن إزاحته من المعادلة، لا من قبل الحكومة اليمنية ولا من قبل التحالف.
ثالثاً: نقاط التباين… اختلاف أولويات لا صراع إرادات:
المتابع للمشهد يدرك أن ما يظهر من توتر غير معلن بين بعض قرارات التحالف ومواقف المجلس الانتقالي الجنوبي يعود بالأساس إلى اختلاف في توقيت الأولويات وليس في جوهر الشراكة.
- التحالف يريد الاستقرار أولاً، والتسوية الشاملة ثانياً، وترتيب الملف السياسي بعد ذلك.
- الانتقالي يرى أن أي مسار لا يعترف بحق الجنوب سيستخدم لاحقاً لعرقلة مشروعه الوطني، لذلك يطالب بضمانات سياسية واضحة قبل الدخول في مسارات طويلة وغير مؤكدة.
وبين هذين الخطين، تظهر بعض الإجراءات التي يقرأها الشارع الجنوبي كضغوط سياسية، بينما يراها التحالف أدوات لإدارة الملف، وليس فرض توجهات جديدة.
رابعاً: الشارع الجنوبي… كلمة لا يمكن تجاوزها:
لا يمكن لأي تحليل تجاهل أن الجنوب اليوم يمتلك شارعاً واعياً وكتلة اجتماعية متماسكة تؤمن بمشروع الدولة الجنوبية.
وهذا ما يجعل ملف الجنوب مختلفاً عن بقية ملفات اليمن:
هناك طرف سياسي يمتلك جيشاً منظماً، ومؤسسات، وشعباً يسانده.
هذا الواقع يفرض نفسه على التحالف، ويجعل أي محاولة لتهميش المجلس الانتقالي أو تجاوز الإرادة الشعبية خطوة غير قابلة للنجاح.
خامساً: مستقبل العلاقة… شراكة مضبوطة أم صدام مؤجل؟
من خلال قراءة المؤشرات الحالية، يمكن القول إن العلاقة بين التحالف والجنوب تتجه نحو:
- شراكة أمنية مستمرة.
- تنسيق سياسي حذر.
- تفاوض متدرج حول مستقبل الجنوب ضمن إطار إقليمي ودولي.
لكن أي اختلال في هذه المعادلة، سواء بتجاهل مطالب الجنوب أو بفرض مسارات سياسية غير واقعية، قد يعيد فتح ملفات التوتر، ويجعل الجنوب يعيد تقييم علاقته بالتحالف.
الخلاصة:
العلاقة بين التحالف والجنوب ليست علاقة دعم مطلق ولا خصومة مباشرة.
إنها علاقة مصالح مشتركة مع اختلاف في الأولويات، وعلاقة شراكة أمنية تتقدم على الشراكة السياسية.
لكن ما يبقى ثابتاً هو أن الجنوب اليوم يمتلك قوة سياسية وعسكرية وشعبية تجعل أي حل سياسي في اليمن غير واقعي إذا لم يأخذ مصالحه وتطلعاته بعين الاعتبار.
ومع تنامي الحضور الإقليمي للمجلس الانتقالي، وتماسك الجبهة الجنوبية، تزداد الحاجة إلى صياغة علاقة جديدة أكثر وضوحاً ومرونة بين الجنوب والتحالف، تضمن الاستقرار وتحترم إرادة الشعوب، وتفتح الباب أمام معادلة سياسية أكثر عدلاً للمستقبل.
إعداد:
الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس تحرير صحيفتي “عدن الأمل” و “عرب تايم” ومحرر في عدد من المواقع الاخبارية

















