إن استعراض مسيرة انتخابات رئيس مجلس النواب المصري ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو قراءة في تطور وعي الدولة المصرية بمفهوم “فصل السلطات”. فنحن اليوم في عام 2026، نرى برلمانًا لم يعد مجرد ساحة للموافقة، بل مؤسسة تشريعية تدار بميزان دقيق من التوازنات الحزبية والوطنية. رئاسة البرلمان لم تعد “منصبًا شرفيًا” يُمنح بالتزكية، بل أصبحت مسئولية وطنية تتطلب شخصية قانونية وسياسية قادرة على احتواء أطياف المعارضة والأغلبية تحت مظلة الدستور.
التجربة الحالية أثبتت أن قوة البرلمان تُستمد من قوة انتخاب رئيسه وهيئة مكتبه؛ فكلما كانت الانتخابات معبرة عن تكتلات حقيقية ورؤى برامجية، زاد ذلك من فاعلية الرقابة والتشريع. إن الدولة المصرية، وهي تعزز قواعد التعددية، تضع نصب أعينها ترسيخ “برلمان الجمهورية الجديدة” الذي يجمع بين هيبة المؤسسة وحيوية التنافس.
يظل تطور آليات انتخاب رئيس البرلمان شاهدًا على حيوية الشعب المصري وقدرته على تطوير نظامه السياسي بما يتواكب مع العصر. نأمل أن تستمر هذه المسيرة نحو مزيد من الشفافية والمشاركة، ليبقى مجلس النواب صوتًا حقيقيًا للمواطن، ودرعًا تشريعيًا يحمي مكتسبات الوطن، ومنصة تليق بتاريخ مصر العريق في العمل النيابي الذي يمتد لأكثر من قرن ونصف من الزمان.
تعد انتخابات رئيس مجلس النواب في مصر واحدة من أهم المراسم السياسية التي تعكس طبيعة النظام الحاكم وتوازنات القوى داخل الدولة. فمنذ اللبنة الأولى للحياة النيابية في عهد الخديوي إسماعيل عام 1866، مرت هذه الانتخابات بتحولات جذرية، انتقلت خلالها من مجرد إجراء “توافقي” تباركه السلطة، إلى معركة “تكتلات” تعكس التعددية الحزبية في الجمهورية الجديدة.
العصر الخديوي والملكي: التوافق سيد الموقف
في البدايات الأولى عام 1866، كان مجلس شورى النواب يعبر عن رغبة الخديوي إسماعيل في إضفاء طابع عصري على الدولة. خلال هذه الفترة، كانت رئاسة المجلس تتم عبر “التزكية” أو الاختيار المباشر من الحاكم. لم يكن مفهوم “المنافسة الانتخابية” على مقعد الرئيس مطروحًا، بل كان المنصب يُسند لشخصيات تحظى برضا القصر، لضمان مواءمة القرارات التشريعية مع توجهات السلطة التنفيذية.
عهد الجمهورية الأولى: هيمنة التنظيم الواحد
بعد ثورة 23 يوليو 1952، دخلت مصر عهدًا جديدًا تغيرت فيه بنية البرلمان ليصبح “مجلس الأمة” ثم “مجلس الشعب”. في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، سيطر الاتحاد الاشتراكي على المشهد، فكان اختيار رئيس البرلمان يتم داخل أروقة التنظيم الواحد، ثم يُعرض في الجلسة الافتتاحية كإجراء شكلي يحصل على الأغلبية الكاسحة، مما غيّب روح المنافسة لصالح الاستقرار السياسي تحت قبضة الدولة.
عصر السادات ومبارك: ديمقراطية الحزب الوطني
في السبعينيات والثمانينيات وحتى عام 2011، دخلت مصر مرحلة “التعددية المقيدة”. كان الحزب الوطني الديمقراطي يمتلك الأغلبية المطلقة، مما جعل انتخابات رئيس المجلس مجرد “بروتوكول” لتنفيذ قرار الهيئة البرلمانية للحزب الحاكم. اشتهرت هذه الفترة بأسماء تاريخية استمرت طويلًا في المقعد، حيث كان الحسم يتم خلف الأبواب المغلقة قبل بدء الجلسات.
مخاض ما بعد 2011: التعددية القلقة
شكلت انتخابات 2012 نقطة فارقة، حيث دخل البرلمان لأول مرة في أجواء تنافسية حقيقية وإن كانت “مستقطبة”. فاز الدكتور محمد سعد الكتاتني برئاسة المجلس في مواجهة مرشحين آخرين، مستندًا إلى أغلبية حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان الإرهابية)، في تجربة برلمانية قصيرة انتهت بحل المجلس.
برلمان 2015 و2021: عودة المؤسسية والتكتلات
مع استقرار الدولة بعد ثورة 30 يونيو، عاد البرلمان في 2015 (مجلس نواب) ليشهد انتخاب الدكتور علي عبد العال بدعم من ائتلاف “دعم مصر”. ومع مجلس 2021 الحالي، انتقلت التجربة لمرحلة “التعددية الحزبية المنظمة”، حيث ظهرت تكتلات مثل حزب مستقبل وطن وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، مما أضفى حيوية على انتخابات هيئة المكتب، وجعل اختيار رئيس المجلس يعتمد على “التوازنات” وبناء التحالفات البرلمانية المتينة.















