بعد مفاوضات استمرت ربع قرن، وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة مثيرة للجدل مع تكتل «ميركوسور» في أمريكا الجنوبية، في خطوة تهدف إلى إنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم نحو 700 مليون نسمة. لكن الاتفاق، الذي احتُفل بتوقيعه في أسونسيون عاصمة باراجواي، فجر انقسامات حادة داخل الاتحاد الأوروبى، ولا تزال المصادقة عليه معلقة بانتظار معركة سياسية مرتقبة داخل البرلمان الأوروبى.
وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالاتفاق، معتبرة أنه «خيار للتجارة العادلة بدلًا من التعريفات الجمركية»، ورسالة واضحة ضد العزلة الاقتصادية، من جهته، رأى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن الاتفاق يؤكد تمسك الاتحاد بالتجارة الحرة القائمة على القواعد والتعددية، في مواجهة ما وصفه بـ«تسليح التجارة لأغراض جيوسياسية».
الاتفاق ينص على الإلغاء التدريجي لنحو 90% من الرسوم الجمركية بين الجانبين في القطاعات الصناعية والخدمية والزراعية، وتقدر المفوضية الأوروبية أن الشركات الأوروبية ستوفر أكثر من 4 مليارات يورو سنويًا من الرسوم.
كما يفتح أسواق المشتريات العامة في دول ميركوسور أمام الشركات الأوروبية، ويعترف بـ344 مؤشرًا جغرافيًا لحماية المنتجات الأوروبية، إلى جانب تعزيز تأمين المعادن الحيوية وتقليل الاعتماد على الصين.
لكن المكاسب الاقتصادية لم تُخفِ حجم الانقسام داخل التكتل، فبينما تقود ألمانيا وإسبانيا معسكر المؤيدين، معتبرتين أن الاتفاق ضروري لتنويع الشراكات التجارية في ظل انغلاق السوق الأمريكية وتشدد الصين، تتصدر فرنسا جبهة المعارضين، محذّرة من تهديد مباشر للمزارعين الأوروبيين بسبب المنافسة غير العادلة من منتجات أمريكا اللاتينية.
ورغم فشل باريس في حشد أقلية مانعة للتوقيع، فإنها انتزعت بنودًا وقائية تسمح بإعادة فرض الرسوم الجمركية إذا ارتفعت الواردات بأكثر من 5% في القطاعات الحساسة، إضافة إلى تحديد سقوف لواردات اللحوم والدواجن، كما جاء تغير موقف إيطاليا بعد تأمين دعم مالي لمزارعيها وإعفاء الأسمدة من آلية ضريبة الكربون.
ومع توقيع الاتفاق، انتقلت المعركة إلى البرلمان الأوروبي، حيث يحتاج إلى مصادقة النواب وسط انقسام واضح تغلب عليه الحسابات الوطنية، ويستعد المعارضون لاختبار قوة الدعم السياسي عبر تصويت مبكر للطعن في الاتفاق أمام أعلى محكمة أوروبية، ما يجعل «ميركوسور» اختبارًا حاسمًا لوحدة القرار داخل الاتحاد الأوروبي.
















