أعلنت حكومة سنغافورة رسميًا عن قرارها بضخ استثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها 786 مليون دولار أمريكي “ما يعادل مليار دولار سنغافوري تقريبًا” لدعم وتمويل أبحاث الذكاء الاصطناعي العامة على مدار السنوات الخمس المقبلة، في خطوة استراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانة الدولة المدينة كمركز عالمي رائد للابتكار التكنولوجي.
ويأتي هذا التوجه الحكومي الجريء في وقت يشهد فيه العالم سباقًا محمومًا نحو السيطرة على تقنيات المستقبل، حيث تسعى سنغافورة من خلال هذا التمويل السخي إلى تعزيز صناعتها المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي وخلق بيئة تنافسية تسمح لها بالوقوف جنبًا إلى جنب مع القوى العظمى المهيمنة على هذا القطاع، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والصين اللتين تسيطران حاليًا على المشهد التقني العالمي بفضل شركاتها العملاقة واستثماراتها الهائلة، وهو ما يجعل التحرك السنغافوري ضرورة ملحة للحفاظ على السيادة الرقمية والنمو الاقتصادي المستدام في العصر الرقمي الحديث.
تصريحات وزيرة التنمية الرقمية جوزفين تيو
أكدت وزيرة التنمية الرقمية والمعلومات في سنغافورة، جوزفين تيو، خلال خطاب ملهم ألقته في حدث صناعي بارز بالمدينة، أن الحكومة تراهن بشكل كامل على أن هذا الاستثمار الاستراتيجي سيساهم في دفع عجلة الابتكار وتعزيز مكانة البلاد كوجهة أولى لأبحاث الذكاء الاصطناعي المتطورة، مشيرة إلى أن سنغافورة تمتلك المقومات اللازمة لتصبح حلقة وصل رئيسية في منظومة التكنولوجيا العالمية.
وأوضحت تيو أن هذه الأموال لن تذهب فقط لتمويل الأبحاث النظرية، بل سيتم توظيفها بدقة لإنشاء مراكز بحثية متطورة وبناء قدرات تقنية وبشرية قوية تضمن استمرارية الريادة السنغافورية.
حيث تدرك الحكومة أن التفوق في هذا المجال يتطلب تضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص لتطوير حلول عملية قادرة على مواجهة التحديات المعقدة في مجالات الرعاية الصحية، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والأمن السيبراني، مما يعود بالنفع المباشر على جودة حياة المواطنين وكفاءة الأعمال.
بناء قدرات الذكاء الاصطناعي وتطوير “خط أنابيب المواهب” في سنغافورة
تعتبر عملية تطوير الكوادر البشرية أو ما وصفته الوزيرة بـ “خط أنابيب المواهب” أحد الركائز الأساسية التي سيوجه إليها الاستثمار الجديد، حيث تدرك سنغافورة أن امتلاك أحدث التقنيات لا يكفي دون وجود عقول مبدعة قادرة على تشغيلها وتطويرها، ولذلك سيتم تخصيص جزء كبير من الميزانية لبرامج التدريب والمنح الدراسية واستقطاب أفضل الخبراء والباحثين من مختلف أنحاء العالم للعمل في المراكز البحثية الجديدة.
وتهدف الخطة إلى بناء قاعدة معرفية وطنية صلبة من المهندسين وعلماء البيانات المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، مما يضمن تدفقًا مستمرًا للمواهب نحو الشركات المحلية والناشئة، ويقلل من الاعتماد على الخبرات الخارجية في المدى الطويل، وهو ما يعزز من مرونة الاقتصاد السنغافوري وقدرته على التكيف مع التغيرات المتسارعة في سوق العمل العالمي الذي بات يعتمد بشكل متزايد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي.
حسب تقرير لوكالة “بلومبرج” الاقتصادية، فإن تحرك سنغافورة يمثل محاولة جادة لكسر هيمنة اللاعبين الأمريكيين والصينيين على سوق الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى المدينة الآسيوية إلى خلق نموذج فريد يعتمد على التكامل بين الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات الصناعية في بيئة تنظيمية مرنة وآمنة. وبالرغم من أن الميزانية المرصودة قد تبدو صغيرة مقارنة بالاستثمارات المليارية لشركات مثل “مايكروسوفت” أو “بايدو”، إلا أن سنغافورة تراهن على كفاءة الإنفاق والتركيز على قطاعات متخصصة يمكنها فيها تحقيق ميزة تنافسية واضحة، مثل الذكاء الاصطناعي المسؤول والموثوق، وتطوير نماذج لغوية تراعي التنوع الثقافي واللغوي في منطقة جنوب شرق آسيا، وهي مناطق قد لا تحظى بالأولوية الكافية لدى العمالقة الأمريكيين أو الصينيين، مما يفتح نافذة من الفرص لسنغافورة لتبرز كلاعب دولي لا يستهان به في هذا المجال الحيوي.
يتضمن الاستثمار السنغافوري إنشاء وتطوير شبكة من المراكز البحثية التي ستعمل كمختبرات عالمية مفتوحة للتعاون مع المؤسسات الدولية والشركات الكبرى، حيث تهدف هذه المراكز إلى تسريع عملية انتقال الأفكار من المختبرات إلى الأسواق التجارية الفعلية، وهو ما يطلق عليه “التسويق التجاري للابتكار”.
وستعمل هذه المراكز تحت إشراف نخبة من العلماء وبتمويل حكومي مستدام يضمن استقلاليتها وقدرتها على إجراء أبحاث طويلة الأمد قد لا تكون مجدية تجاريًا في المدى القريب ولكنها تحمل إمكانات ثورية للمستقبل، كما ستوفر هذه المراكز البنية التحتية اللازمة من قدرات حوسبة سحابية هائلة ومعالجات متطورة، وهي موارد باهظة الثمن يصعب على الشركات الناشئة توفيرها بمفردها، مما يجعل من سنغافورة بيئة جاذبة لرواد الأعمال والمبتكرين الباحثين عن مكان يدعم طموحاتهم التكنولوجية دون قيود مالية أو لوجستية كبيرة.
تعزيز مكانة سنغافورة كمركز رقمي إقليمي في منطقة جنوب شرق آسيا
لا ينفصل هذا الاستثمار في الذكاء الاصطناعي عن رؤية سنغافورة الشاملة للتحول الرقمي، حيث تسعى الدولة إلى تعزيز مكانتها كعاصمة رقمية لمنطقة جنوب شرق آسيا التي تضم أكثر من 600 مليون نسمة وتشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا، إذ أن امتلاك سنغافورة لأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي سيجذب الشركات الإقليمية الباحثة عن حلول ذكية لتحسين عملياتها.
ويساهم هذا التوجه في زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى سنغافورة، ليس فقط في قطاع التكنولوجيا بل في كافة القطاعات المساندة، كما يعزز من قدرة الدولة على تصدير خدماتها التقنية وحلولها البرمجية إلى الأسواق المجاورة، مما يخلق مصادر دخل جديدة وعرب تايموعة للاقتصاد الوطني ويحمي البلاد من التقلبات في القطاعات التقليدية مثل التجارة البحرية والتمويل، ويضمن بقاء سنغافورة في طليعة الدول الأكثر ابتكارًا وتنافسية على مستوى العالم في عام 2026 وما بعده.
التحديات والفرص أمام طموحات سنغافورة في مجال الذكاء الاصطناعي
على الرغم من التفاؤل الكبير المحيط بهذه المبادرة، إلا أن سنغافورة تواجه تحديات ليست بالبسيطة، وعلى رأسها المنافسة الشرسة على المواهب العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة، إلا أن الحكومة السنغافورية تمتلك سجلًا حافلًا في إدارة المبادرات القومية بنجاح وتحويل التحديات إلى فرص من خلال التخطيط الدقيق والشفافية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاستثمار إلى خلق آلاف الوظائف عالية القيمة في السوق المحلي، وتحفيز نمو الشركات الناشئة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
كما سيساهم في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية الرقمية التي تشتهر بها سنغافورة عالميًا، مما يجعل من هذا المبلغ (786 مليون دولار) ليس مجرد نفقة حكومية، بل استثمارًا استراتيجيًا بعيد المدى سيجني ثمارها الأجيال القادمة ويضمن لسنغافورة مقعدًا دائمًا في نادي الدول المتقدمة تكنولوجيًا.
















