تحمل قضية شعب الجنوب العربي، علامات راسخة بكونها ليست حالة انفعالية عابرة، ولا نتاج لحظة غضب أو ردّ فعل ظرفي فرضته تطورات آنية، كما يحاول البعض تصويرها أو اختزالها.
قضية شعب الجنوب العربي تمثل مشروعًا سياسيًّا متكاملًا، تشكّل عبر مسار طويل من النضال والتضحيات، وتحدّد ملامحه مرجعيات واضحة ومعلنة لا تقبل التأويل أو الالتفاف أو إعادة التفسير وفق أهواء المصالح.
الجنوب العربي، وهو يخوض معركته السياسية، لا يتحرك في فراغ، بل يستند إلى أسس تأسيسية راسخة ترسم اتجاهه وتضبط إيقاع فعله الوطني.
ويمثّل إعلان عدن التاريخي نقطة تحول مفصلية، نقلت القضية الجنوبية من حالة الاحتجاج المتفرق إلى إطار سياسي جامع، عبّر بوضوح عن الإرادة الشعبية الجنوبية، وحدد الهدف المركزي المتمثل في استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
لم يكن هذا الإعلان مجرد بيان سياسي، بل إعلان إرادة جمعية، رسم الخط الفاصل بين مشروع تحرري واضح، وبين محاولات الاحتواء والتذويب التي سعت إلى إبقاء الجنوب في دائرة الإلحاق.
وجاء الميثاق الوطني الجنوبي ليعزز هذا المسار، بوصفه وثيقة جامعة نظّمت العلاقة بين المكونات الجنوبية، ورسّخت مفهوم الشراكة الوطنية، وحددت قواعد العمل السياسي الجنوبي على أساس التوافق لا الإقصاء، والتمثيل الحقيقي لا الادعاء.
فقد أسّس الميثاق لمرحلة جديدة من الوعي السياسي، نقلت القضية الجنوبية من التعبير العاطفي إلى الفعل المؤسسي المنضبط، وربطت بين الهدف الوطني وآليات تحقيقه.
يضاف إلى ذلك الإعلان الدستوري لعام 2026، الذي يمثّل خطوة متقدمة في مسار بناء المشروع السياسي الجنوبي، بوصفه إطارًا ناظمًا يحدد طبيعة المرحلة، ويضبط شكل السلطة، ويؤكد أن الجنوب لا يسعى إلى إدارة أزمة مؤقتة، بل إلى تأسيس دولة بقواعد دستورية واضحة.
وبهذا المعنى، لم يعد الفعل الجنوبي رد فعل على الاستهداف، بل ممارسة سياسية واعية تستند إلى رؤية دولة ومؤسسات.
هذه المرجعيات مجتمعة ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، ولا نصوصًا للاستهلاك الإعلامي، بل محددات تأسيسية ترسم حدود المعركة، وتحدد طبيعة الخصم، وتضبط اتجاه القرار السياسي الجنوبي. وهي في الوقت ذاته تمثل خطًا أحمر أمام أي محاولات للالتفاف أو إعادة تدوير الصراع تحت مسميات جديدة.
وعليه، فإن من يقرأ القضية الجنوبية خارج هذا الإطار، إنما يتجاهل حقيقتها، أو يتعمد تشويهها. فالجنوب العربي يخوض معركة سياسية بوعي مشروع الدولة، لا بعاطفة اللحظة، ويتقدم بثبات مستندًا إلى مرجعياته الوطنية التي لا تقبل المساومة أو التراجع.















