هذه المليونية يوم الخميس 5 فبراير 2026م، لم تكن حدثًا معزولًا في الزمان أو المكان، بل جاءت في سياق وطني متصل، تزامن مع حراك جماهيري مماثل يوم الجمعة 6 فبراير 2026م في سيحوت بمحافظة المهرة، ووادي حضرموت- سيئون، حيث خرج أبناء الجنوب في مشهد متزامن ومتناسق، ليؤكدوا أن الإرادة الجنوبية واحدة، وأن الجغرافيا الجنوبية، من ردفان إلى حضرموت وسيحوت، تتحرك اليوم بنبض سياسي موحد.
-الجغرافيا تتكلم بلغة واحدة
ما يلفت الانتباه في مشهد المليونيات الجنوبية المتزامنة هو أن الحراك لم يأتِ بردود أفعال متفرقة، بل كحالة سياسية واعية ومنظمة، تعكس مستوى متقدمًا من النضج الشعبي. فالحشود التي شهدتها ردفان، وتلك التي احتشدت في سيحوت، وأبناء وادي حضرموت في سيئون، عبّرت جميعها عن موقف واحد:
رفض الوصاية، التمسك بالمشروع الوطني الجنوبي، وتجديد التفويض للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي.
هذا التزامن الجغرافي والسياسي يؤكد أن الجنوب لم يعد يُدار بردّات فعل محلية، بل بوعي جمعي يرى في وحدة الصف شرطًا لحماية المكتسبات، وفي التنسيق الشعبي أداة ردع سياسية.
-ردفان من ذاكرة الثورة إلى قيادة المشهد
ردفان، المرتبطة تاريخيًا بالثورات والبدايات الكبرى، لم تكتفِ باستدعاء رمزية الماضي، بل أعادت إنتاج دورها كقاطرة للمشهد السياسي الجنوبي. فقد تحولت المليونية إلى رسالة صريحة بأن الجنوب، حين يُستهدف مشروعه، يعود إلى جذوره النضالية، ويستحضر أدواته الشعبية السلمية بوصفها مصدر شرعية لا ينازع.
التنوع المناطقي للمشاركين لم يكن عنصر تباين، بل مصدر قوة، حيث انصهرت الهويات المحلية في هوية جنوبية جامعة، ترى في وحدة الصف الجنوبي صمام أمان للمستقبل.
-دلالات الحشد
الحضور الجماهيري الكثيف في ردفان وسيحوت ووادي حضرموت لم يكن مجرد رقم، بل مؤشرًا سياسيًا بالغ الأهمية. الرسالة الأولى تمثلت في أن الإرادة الشعبية الجنوبية ما زالت هي الفاعل الرئيسي، وأن أي محاولات لصناعة مشهد سياسي بمعزل عن الشارع محكوم عليها بالفشل.
أما الرسالة الثانية، فكانت أن استهداف القيادة السياسية الجنوبية أو القوات الحكومية والأمنية الجنوبية يُنظر إليه شعبيًا كاستهداف مباشر للهوية الجنوبية، وللأمن والاستقرار، وليس مجرد خلاف سياسي عابر.
-وثائق مرحلة لا بيانات مناسبات
البيانات الصادرة عن مليونية ردفان، ومسيرة الثبات والصمود في وادي حضرموت، وفعالية سيحوت جاءت متكاملة في مضمونها، وكأنها صيغت من رؤية سياسية واحدة، حيث أكدت جميعها على: تجديد التفويض الشعبي الكامل للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، بوصفه قيادة منتخبة بإرادة الشارع الجنوبي.
التأكيد على شرعية المجلس الانتقالي الجنوبي كممثل سياسي مفوض شعبيًا لقضية الجنوب. رفض أي إعلانات أو بيانات أو ترتيبات سياسية صدرت أو تُدار من خارج الجغرافيا الجنوبية، واعتبارها باطلة وغير شرعية.
-مشروع دولة لا يقبل التفريغ
البيانات أعادت التأكيد على أن الصراع القائم هو صراع حول مشروع دولة جنوبية كاملة السيادة، وليس خلافًا حول تحسين شروط مشاركة سياسية.
فالتشديد على استعادة دولة الجنوب العربية الفيدرالية يعكس رفضًا قاطعًا لأي مشاريع منقوصة أو تسويات مرحلية لا تحقق تطلعات شعب الجنوب في الحرية والاستقلال.
-تحصين الجبهة الداخلية الجنوبية
داخليًا، حملت المليونيات رسائل حازمة أبرزها: التأكيد على أن وحدة الصف الجنوبي خط أحمر، ورفض أي محاولات لجر الجنوب إلى صراعات داخلية أو قبلية أو إحياء صراعات الماضي. التمسك بالحوار الجاد والمسؤول، شريطة وجود ضمانات دولية واضحة، وتفويض شعبي صريح. والتأكيد على أن القوات الحكومية الجنوبية والأجهزة الأمنية تمثل القوات الشرعية المعنية بحماية أرض الجنوب وأمنه واستقراره، ورفض أي استهداف أو تدمير ممنهج لها.
-موقف ثابت من قلب الجغرافيا
في وادي حضرموت، أكد أبناء الوادي والصحراء دعمهم الكامل للقوات الجنوبية في مواجهة مليشيات الحوثي والتنظيمات الإرهابية، التي تتقاطع مصالحها مع قوى نفوذ معادية للمشروع الجنوبي. كما طالب أبناء وادي حضرموت بإخراج قوات الطوارئ اليمنية، باعتبارها قوات احتلال، ورفضوا أي محاولات لإعادة فرض قيادات أو قوى شمالية على حضرموت أو المهرة أو أي محافظة جنوبية.
وفي سيحوت، جسّد الحشد الجماهيري وحدة الموقف مع بقية محافظات الجنوب، مؤكدًا أن المهرة جزء أصيل من المعادلة الوطنية الجنوبية، وأن أي محاولات لعزلها أو سلخها ستفشل أمام الوعي الشعبي الجنوبي.
-تدويل القضية بلسان الشارع الجنوبي
خارجيًا، خاطبت هذه المليونيات المجتمع الدولي بلغة واضحة، مطالبةً بالتدخل العاجل لحماية شعب الجنوب، والإفراج الفوري عن وزير الدفاع الفريق الركن محسن الداعري، ووقف الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. كما دعت إلى الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وعودة وفد المجلس الانتقالي الجنوبي إلى العاصمة عدن لمواصلة مهامه الوطنية والسياسية.
-لوحة وطنية جنوبية متكاملة
من ردفان، إلى سيحوت، إلى وادي حضرموت، تشكلت لوحة وطنية جنوبية متكاملة، أكدت أن الجنوب موحّد في الموقف، ثابت في الهدف، وماضٍ في مشروعه الوطني رغم كل التحديات. لا وصاية.. لا التفاف.. لا عودة لقوى الاحتلال.. وستبقى وحدة الصف الجنوبي السلاح الأقوى حتى تحقيق تطلعات شعب الجنوب واستعادة دولته الجنوبية كاملة السيادة.















