كتب/ الرائد محمد عبدالحافظ الحوثري
في مرحلة من المراحل كانت المؤسسة الأمنية تعاني من نقص واضح في عدد الضباط، وكان الحمل كبيرًا والمسؤوليات تتزايد بينما الكادر محدود. لذلك كان من الطبيعي أن يتم الاستعانة بضباط منتدبين من الجيش لسد العجز، فكانت خطوة فرضتها الضرورة وساهمت في استمرار العمل وعدم حدوث فراغ داخل الأجهزة الأمنية.
لكن الواقع اليوم تغيّر كثيرًا.
خلال السنوات الماضية تخرجت دفعات كبيرة من الضباط من الكليات العسكرية والمعاهد الشرطوية، كما تمت ترقية عدد كبير من صف الضباط إلى رتب ضباط بعد سنوات من الخدمة. هذا التوسع خلق فائضًا ملحوظًا في بعض الإدارات، حتى أصبح عدد من الضباط بلا مهام واضحة أو مواقع محددة يمارسون فيها دورهم الحقيقي.
ومن باب الوضوح، فإن الترقيات لم تكن جميعها مبنية على التأهيل الأكاديمي أو التخصص المهني؛ فهناك من تمت ترقيتهم من خارج الكليات والمعاهد الشرطوية ولا يحملون مؤهلات علمية كافية، بل إن بعضهم يفتقر إلى الحد الأدنى من التأهيل الإداري أو الثقافي، وهذا جانب يحتاج إلى معالجة جادة عبر التدريب وإعادة التأهيل.
كما أن من بين من تمت ترقيتهم أيضًا كبار في السن، وبعضهم يعاني من عجز صحي أو ضعف في القدرة الميدانية، وهم أصحاب خدمة طويلة وتاريخ يُحترم، لكن طبيعة العمل الأمني اليوم تتطلب جاهزية عالية وحضورًا ميدانيًا مستمرًا وسرعة في الحركة واتخاذ القرار.
الاحترام لتاريخهم واجب، لكن إدارة مؤسسة أمنية لا تقوم على الاعتبارات العاطفية فقط، بل على الكفاءة والقدرة والعطاء الفعلي.
وفي المقابل، يوجد عدد كبير من الضباط الخريجين المؤهلين تأهيلًا أكاديميًا وشرطويًا عاليًا، يحملون شهادات جامعية، وخبرة قانونية وأمنية وثقافة حديثة، وهؤلاء يمثلون قوة حقيقية يمكن أن ترفع مستوى الأداء إذا أُتيحت لهم الفرصة الكاملة لتولي مواقعهم الطبيعية.
أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة ترتيب المشهد. الانتداب كان حلًا لمرحلة نقص، أما اليوم ومع توفر كوادر أمنية كافية بل وفائضة، فإن المنطقي هو الاعتماد على ضباط الأمن أنفسهم، وإعادة الضباط المنتدبين إلى جهاتهم العسكرية الأصلية، حتى تستفيد كل مؤسسة من كوادرها المتخصصة.
ترسيخ مبدأ التخصص هو الأساس. الأمن عمله مختلف عن العمل العسكري، ويحتاج إلى معرفة بالقانون، والإجراءات، والتحقيق، والتعامل المجتمعي. وعندما توضع المواقع في أيدي من أُعدّوا لهذا المجال تحديدًا، فإن المؤسسة تصبح أكثر انضباطًا وكفاءة وعدلًا.
القضية ليست إقصاءً لأحد ولا انتقاصًا من أحد، بل هي إعادة تنظيم تفرضها المتغيرات، واحترام لمبدأ الكفاءة، وضمان لحسن استثمار الطاقات. وبهذا فقط يمكن أن تبنى مؤسسة أمنية قوية، حديثة، عادلة، وقادرة على أداء واجبها بأفضل صورة ممكنة.

















