الإثنين – 02 مارس 2026 – الساعة 03:49 ص بتوقيت عدن ،،،
عرب تايم/ حافظ الشجيفي
على بساط الحقائق التي لا تجحد، وفي رحاب اليقين الذي لا يتزعزع، أقف اليوم متأملا في شؤون هذا الشعب الصابر المرابط، مسترجعا ما سطرته القلم خلال أعوام خلت، حين كان المجلس الانتقالي الجنوبي يرفل في حلل القوة، ويختال في بروج العنفوان، فكنت أرى بعين البصيرة لا بعين البصر، أن هذا الكيان ليس إلا ظلا لشاخص، وصدا لضجيج، وقبسا من نور تلك الإرادة الشعبية المتأججة في صدور أبناء الجنوب التواقين إلى فجر الاستقلال وضحى الحرية، فالمجلس في حقيقته وجوهره يستمد حياته من نبض القلوب التي فوضته، ويستعير وجوده من عدالة القضية التي يحمل لواءها، فهو مدين للشعب بكيانه، وليس الشعب مدينا له بوجوده، ومن هنا قررت في محكم التحليل وسديد الرأي، أن زوال هذا المجلس أو انحرافه عن الجادة، أو نكوصه عن العهد، أو تخليه عن الغاية الأسمى في استعادة الدولة، لن يفت في عضد الشعب الجنوبب ولن يوهن من عزمه خردلة، بل إن الإعصار الذي قد يقتلع المجلس من جذوره سيبقي جبل الإرادة الشعبية راسخا في مكانه، شامخا في علياءه، لا تضره خيانة خائن ولا خذلان مستسلم، فالقضية باقية ما بقي الزمان، والمؤسسات شخوص تروح وتغدو كأوراق الخريف التي تسقط لتبقى الشجرة حية تنبض بالبقاء.
وتلك حقيقة وطنية ثابتة كالجبال الرواسي، لكننا اليوم أمام مشهد يثير الضحك والبكاء في آن واحد، حين نرى المدعو الشهراني يحشد شرذمة قليلة من أعضاء المجلس العمومي، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، من بقايا المتردية والنطيحة والموقوذة وما أكل السبع، ممن ضاقت بهم سبل المصالح الشخصية، وتقطعت بهم حبال المكاسب الانانية بعد أن لفظهم القطار، فأغراهم بفتات المال وبريق المناصب الزائفة، ليخرجوا من وكر التحالف في عدن معلنين تأييدهم لبيان حل المجلس الانتقالي الذي ولد ميتا في الرياض مطلع العام، في سابقة لا تعرفها أعراف السياسة، ولا تقرها نواميس التنظيمات الوطنية، ولا يتصورها عقل لبيب، إذ كيف لثلة لا تكاد تبين، غلبت عليها أطماعها ونزعاتها الذاتية، أن تجتث كيانا قام على أكتاف الملايين، وتلغي تفويضا شعبيا منحه الشعب للقائد عيدروس الزبيدي في يوم مشهود، وهي لعمري مفارقة عجيبة، فالمكونات السياسية والوطنية في مشارق الأرض ومغاربها لا تحل إلا بمؤتمرات عامة، وبإجماع من قواعدها، وبمسوغات تفرضها الضرورات الكبرى، أو بإرادة الشعب الذي وهبها الشرعية ابتداء، فالحل والربط بيد صاحب الملك، والشعب هو المالك الوحيد لمصيره، فلا يملك هؤلاء المنشقون حقا في هدم بناء ليسوا هم من شيد أركانه.
فأدبيات النضال تقتضي ممن ضاق ذرعا بسياسات التنظيم الذي ينتمي اليه، أو رأى اعوجاجا في مساره، أن يسلك سبيل الاستقالة بكرامة، أو يجتهد في التصحيح من الداخل بروح المسؤولية، أما أن يتنطح بضعة أنفار لحل تنظيم يضم في مجلسه العمومي وحده أكثر من ألف عضو، فهذا منتهى السخف ومبلغ الجهل، وما محاولات الشهراني هذه إلا ضرب من العبث، يظن من خلالها أنه يضرب إرادة الشعب الجنوبي في مقتل، وما علم المسكين أن الشعب الذي لن يتزعزع لو ذهب المجلس الانتقالي برمته، لا يلتفت إلى همسات نفر قليل فقدوا بوصلة الشرف وتاهوا في صحراء الطمع، فإرادة الشعوب ليست ثوبا يخلعه المرء متى شاء، وليست سلعة تباع في أسواق النخاسة السياسية، بل هي قدر غالب، وحق لا يموت، وسيظل هذا الشعب متمسكا بأهدافه وتطلعاته، محتقرا لتلك المسرحيات الهزيلة التي لا تزيد الحق إلا جلاء، ولا تضيف للباطل إلا ضعفا، فليعلم الواهمون أن بناء الحق أصم لا تخترقه نبال الغدر، وأن الفجر الذي يرقبه الجنوبيون آت لا ريب فيه، ولو كره المبطلون الذين يحاولون عبثا حجب ضوء الشمس بغربال التضليل والبهتان.
















