وتزامنت الحرب مع توقف البنوك والشركات المالية عن المصارفة للريال اليمني، وهو الحل الذي جرى التوافق عليه لمواجهة أزمة السيولة من العملة المحلية التي وصلت خلال بعض الفترات إلى انعدامها كلياً. وتفيد مصادر مصرفية لـ”العربي الجديد” أن الأسواق شهدت قيام السلطات النقدية الرسمية بضخ كتلة نقدية من الفئات الورقية الصغيرة 100 و200 ريال للتعامل مع الأزمة ومواجهة ارتفاع الطلب على العملة المحلية بسبب اقتراب حلول عيد الفطر وارتفاع تحويلات المغتربين، وحاجة المواطنين للمصارفة للحصول على العملة المحلية لشراء احتياجاتهم للعيد.
وتنشط في اليمن منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران أعمال مضاربة بالعملة، وانتشار بؤر السوق السوداء ووصولها لمناطق جديدة عليها لم تكن تنشط فيها سابقاً، ويرصد “العربي الجديد” انتشار السوق السوداء للعملة في كثير من المناطق في عدن، والتي كان البنك المركزي اليمني قد حدّ من نفوذها وأنشطتها في المضاربة والتلاعب بالعملة وسوق الصرف، وتحاول قوى المضاربة استغلال ما يحدث من حرب وأحداث في المنطقة، وكذا اقتراب العيد وارتفاع التحويلات الخارجية والطلب على العملة والضغط على الأسواق للعودة إلى أنشطتها السابقة في المضاربة بالعملة والتحكم بالسيولة التي يجري اتهامها بسحبها واكتنازها خلال الفترات الماضية.
وفي السياق، يلفت الأكاديمي والخبير الاقتصادي والمالي هشام الصرمي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى تأثيرات الحرب على ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، وما لذلك من انعكاسات تضخمية على أسعار السلع، وبالتالي هناك تأثيرات على الأسواق والاقتصاد الكلي والمواطن بصورة أساسيّة. يتابع الصرمي: “وسط زيادة تحويلات المغتربين مع اقتراب عيد الفطر تزداد الحاجة إلى السيولة ما يؤجج مواسم المضاربة، وعادة يتدخل البنك المركزي ويكون جاهزاً لإعادة الاستقرار للسوق عبر مختلف الأدوات النقدية، أما في فترات الحرب فيكون أقل كفاءة بسبب الظروف وأحداثها المتصاعدة وتبعاتها، وبروز من ينازعه على هذه الأدوات”.
ويقول المحلل الاقتصادي وفيق صالح لـ”العربي الجديد”، أنه قد لا يكون للحرب والأحداث تأثير مباشر على العملة في اليمن؛ لأن أزمة السيولة تعاني منها البلاد منذ فترة، غير أنها تفاقمت حالياً مع اقتراب العيد وارتفاع الطلب على العملة المحلية من المواطنين لشراء احتياجاتهم الاستهلاكية والعيدية.
ويعتقد صالح أن البنك المركزي فشل في إقناع كبار التجار والصرافين بالإفراج عن السيولة المكتنزة من العملة المحلية، وهو ما أدى إلى تفاقم كبير لأزمة السيولة خلال الفترة الراهنة، مع توقف كلي لشركات الصرافة والبنوك في تعز أيضاً كما في عدن، توقفت كلياً عن المصارفة للريال اليمني. فيما يؤكد الصرمي أن البنك المركزي لم يتخلَّ عن دوره لكنه يعمل في إطار المتاح له، فهناك الكثير من المهمات الأمنية والمالية يجب أن تقوم بها الحكومة، فالبنك لن يستطيع تحقيق النجاح بدون عمل المنظومة الحكومية بالكامل
ويشكو مواطنون ومتعاملون في الأسواق، تحدثوا لـ”العربي الجديد”، من صعوبة الحصول على العملة المحلية، إذ تمتنع كثير من شركات ومحال الصرافة عن مصارفة الريال السعودي أو الدولار بالريال اليمني، في حين أنّ ما يتوفر من الأوراق النقدية الصغيرة التي جرى ضخها، هناك رفضٌ لقبولها والتعامل بها في الأسواق ومحلات الصرافة.
ويوضح الصرمي أن الحديث عن هذا الموضوع المتمثل بالأزمة النقدية ومشكلة السيولة الخانقة يتطلب العودة إلى ما حصل سابقاً خلال سنوات الحرب، إذ جرت طباعة كتلة نقدية كبيرة من العملة المحلية لمواجهة النفقات، وكانت هذه الطباعة على المكشوف وكان هناك سحب واستخدام لهذه السيولة، وأصبحت معظم هذه الكتلة خارج الدورة النقدية، لذا فنحن لا نعيش أزمة نقد بل أزمة خروج النقد عن الدورة النقدية، فهذا الاكتناز من المضاربين أو ما يمكن تسميته باقتصاد الظل يتكون من مجموعة من المضاربين وشركات الصرافة وبنوك وشركات تجارية؛ هؤلاء هم السبب الرئيسي فيما حصل ويحصل.
ويشرح أن ما يحدث ناتج عن الجشع ومحاولة العودة لسلوك المضاربة السابق الذي كان قد حدّ منه البنك المركزي اليمني في عدن من خلال أدواته والضبط الذي حدث والدعم الدولي والإقليمي، إضافة إلى الدور الكبير للجنة تنظيم وتمويل الواردات التي ستقدم حلاً لذلك، إذ طلبت في آخر اجتماع عقدته مع البنوك بأنّ كل من يريد الاستيراد يجب عليه التوريد بالريال اليمني، وهنا يجب الإشارة إلى العلاقة الوطيدة بين الشركات التجارية التي تكونت خلال فترة الحرب والصراع في البلاد وشركات الصرافة بشكل قوي، لذا إذا استطاعت اللجنة انتزاع هذه السيولة ستحل جزءاً كبيراً من المشكلة، إضافة للضخ الذي جرى من السلطات النقدية لكتلة نقدية من الفئات الورقية 100 و200 ريال.
ويقترح الصرمي أنّ الحل الحقيقي لكل ذلك يحتاج لحزمة متكاملة وليس إجراءً واحداً أو جزئياً لإعادة السيولة إلى الجهاز المصرفي، وذلك من خلال إلزام شركات الصرافة بالإفصاح عن مراكزها النقدية، ووضع سقوف للاحتفاظ بالنقد، والعمل على تنظيم سوق الصرافة عبر تقليص عدد الشركات وفرض نظام رقابة إلكترونية لحظية، وتوسيع الدفع الإلكتروني؛ فتقليل التداول النقدي سيحدّ من الاكتناز والمضاربة، إلى جانب إدارة السيولة وليس فقط سعر الصرف، أي مراقبة الطلب الموسمي كرمضان والأعياد، وضخ سيولة مرحلية عند الحاجة، فضلاً عن استعادة الثقة بالبنوك وهذا أهم عنصر على الإطلاق، فبدون ثقة الجمهور لن تعود السيولة إلى النظام المالي مطلقاً.

















