في الوقت الذي يقترب فيه شعب الجنوب من استحقاقات مصيرية، تبرز إلى السطح محاولات حثيثة لإعادة تدوير “القضية الجنوبية” ضمن قوالب جاهزة سلفاً، بعيداً عن جوهرها التحرري وإرادة حاملها السياسي الشرعي.
ما يُسوق له تحت لافتة “الحوار الجنوبي” بإدارة وغطاء “اللجنة الخاصة”، ليس مساراً سياسياً يهدف للحل، بقدر ما هو عملية هندسة اجتماعية وسياسية تهدف إلى اختطاف التمثيل الشعبي وتفتيت الكتلة التاريخية الصلبة التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي.
وتعتمد استراتيجية التفكيك الحالية على مبدأ “الإزاحة بالاستبدال”؛ وهي محاولة ممنهجة لتجاوز الكيان المؤسسي الذي يحمل تفويضاً شعبياً ومعموداً بدماء الشهداء، واستبداله بكيانات هشة أو أفراد يتم انتقاؤهم بعناية فائقة وفق معايير “الولاء للممول” لا “الانتماء للقضية”.
هؤلاء الأفراد، الذين يفتقرون للقواعد الشعبية والمحددات النضالية الواضحة، يتم ربطهم بشبكة من المصالح الشخصية الضيقة، ليتحولوا إلى أدوات وظيفية تمنح “شرعية مزيفة” لمخرجات تم إعدادها مسبقاً في الغرف المغلقة.
القراءة الفاحصة لهذا المسار تكشف بوضوح أنه امتداد لنهج “مشاورات الرياض” التي سعت لتمييع الثوابت الوطنية الجنوبية.
تهدف هذه التحركات إلى إعادة تعريف القضية الجنوبية من “قضية شعب ودولة” إلى “مظلمة سياسية” أو “مطالب حقوقية” قابلة للاحتواء ضمن إطار اليمن الموحد أو الأقاليم الهشة.
وبات واضحًا أن الغاية النهائية في هذا الإطار صناعة “نخبة بديلة” توافق على تنازلات سيادية لا يملك الشعب تفويضاً لأحد بتقديمها، مما يمهد الطريق لفرض واقع سياسي يخدم أجندات إقليمية على حساب التطلعات الاستراتيجية للجنوبيين.
استهداف المجلس الانتقالي كمؤسسة لا يستهدف الشخوص بقدر ما يستهدف “رمزية الحامل السياسي”.
فمن خلال تفكيك هذا الحامل، تصبح القضية الجنوبية بلا رأس وبلا حماية، مما يسهل الانقضاض عليها وتقسيمها إلى كانتونات متصارعة يسهل التحكم بها.
ويدرك الوعي الجنوبي اليوم أن أي حوار لا ينطلق من قاعدة الندية السياسية، ولا يحترم التفويض الشعبي، ولا يضع “استعادة الدولة” كمرتكز أساسي، هو حوار يهدف لشرعنة التبعية وليس لإحقاق الحقوق.
ويظل الرهان الحقيقي على صلابة الجبهة الداخلية الجنوبية والتفافها حول حاملها السياسي الشرعي، لإسقاط كافة المشاريع “المُهجنة” التي تسعى لإعادة الجنوب إلى بيت الطاعة اليمني عبر بوابة الحوارات الصورية والمصالح المشتراة.















