(عرب تايم)خاص
حين تتحول الأمطار إلى قبور مائية.
في مدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة الحصار والإهمال، لا تكتفي الحروب بقتل الأجساد، بل تمتد لتغتال أبسط حقوق الأطفال في الحياة. وفي مشهد لا يختلف كثيراً عن سابقه، خطفت سيول تعز الجارفة ضحيتين جديدتين خلال ساعات، ليكتب الطفلان أيلول ومجاهد أسميهما بقلم الغدر المؤسساتي، ويُضافان إلى قائمة طويلة من الأبرياء الذين لم يمتوا غرقاً في المياه، بل في بحر من التقصير المتعمد والصمت المريع.
هذا ليس تقريراً عن حادثة. هذا بكاء على طفولة ذُبحت مرتين: مرة بالمياه الجارفة، ومرة بغياب من كان يجب أن يحميها.
أيلول.. طفل العشرة ربيعاً صرخ فلم يسمعه أحد.
«أيلول».. اسم يتيم جميل، كأيام الخريف عرب تايمى. لكن القدر شاء أن يكون هذا الطفل الصغير شاهداً على بشاعة الإهمال. في مساء الخميس، بينما كانت السماء تبكي على تعز، كان أيلول ذو الأعوام العشرة يلهو قرب حي الكوثر، حيث حاجز شبكي صدئ معَد لحماية مدخل عبّارة، كان يجب أن يكون سور أمان، فكان بوابة للموت.
جرفته المياه كريشة خفيفة، وبدأت رحلة الرعب. شهود عيان يروون أن الطفل أطلق صرخات استغاثة وهو يصارع الموج في سائلة عصيفرة، ونظراته المذعورة تبحث عن يد تنتشله من براثن الموت. لكن أحداً لم يتحرك. أو ربما تحركوا متأخرين. أو ربما لم يقدروا. أو ربما… لا أعذار.
آخر ما رآه أيلول قبل أن تبتلعه الأمواج كانت منطقة المفتش، حيث ظل يقاتل الأمواج العاتية بذراعين صغيرين لا تقوى على شيء. بعد 17 ساعة من الفقدان والألم، عُثر على جثمانه الصغير جثة هامدة في حوض سد العامرية، حيث تتجمع كل سيول تعز، وكأن المدينة بأسرها تفرغ أحزانها هناك.
17 ساعة.. كانت كافية لأن يتحول أيلول من طفل حي يضحك إلى خبر عابر في نشرة أخبار.
مجاهد.. والموت ينتظر في منطقة الدحي.
لم تكف السماء عن البكاء، ولم تكف تعز عن النحيب. في اليوم نفسه، وفي مشهد يوحي بأن الموت قد نصب كميناً للأطفال، كان مجاهد المحولي ذو الاثني عشر ربيعاً يعبر في منطقة الدحي بمديرية المظفر. عبور عابر. خطوات بسيطة. ربما كان في طريقه إلى منزله، أو إلى صديق، أو ربما كان يحمل رسالة لأمه.
لكن السيول كانت أسرع. انزلقت قدماه، واصطدم جسده الصغير بالحجارة والتيار، وأصيب إصابة بالغة لم تمنحه فرصة للوداع. حين وصلته يد العون كان قد فارق الحياة، تاركاً خلفه أماً ستموت ألف مرة كلما هطل المطر، وأباً سيرى في كل قطرة ماء وجه ابنه الغريق.
حادثتان. طفلان. ساعات قليلة. وإهمال واحد.
حين يكون الإهمال هو القاتل الحقيقي.
ليست السيول هي المتهم هنا. السيول ظاهرة طبيعية، تأتي وتذهب. لكن القاتل الحقيقي هو الإنسان، أو بالأحرى غيابه. كل عام، وقبل موسم الأمطار، تتجدد التوقعات الجوية، وتُرفع التقارير، وتُنشر التحذيرات. لكن السلطات المحلية في تعز تتعامل مع الكارثة كفيلم يُعرض سنوياً: تجلس في الصف الأمامي، تشاهد الموت، ثم تصفق باكية بعد انتهاء العرض.
أين كانت الصيانة الدورية لمجاري السيول؟
أين كان إعادة تأهيل الحواجز الشبكية؟
أين كان منع التوسع العمراني العشوائي على مجاري المياه؟
أين كان نظام الإنذار المبكر؟
أين كان الدفاع المدني؟
أين كان أي إنسان يشعر بالمسؤولية؟
لا شيء. سوى تقارير الأضرار التي تُرفع بعد وقوع الكارثة، وكأن المدينة تنتظر أن تموت أرواح جديدة لتبرر وجودها.
الغضب الشعبي.. صرخة لا تعلو فوق صهيل الإهمال.
في شوارع تعز، لم يعد المواطنون يصدقون بيانات العزاء. تحولت حادثة الطفلين إلى قضية رأي عام، تتصدر المجالس والمقاهي ووسائل التواصل. الكل يتساءل بصوت واحد: لماذا لا يُحاسَب أحد؟
مواطنون تحدثوا بمرارة قائلين:
«كل سنة نفس القصة. ندفن أطفالنا، ثم ندفن القضية، ثم ننتظر العام القادم لنعيد الكرّة. هل يعقل أن نائب مدير أو رئيس دائرة لا يمكن مساءلته لأن الأموات ليسوا من أبناءه؟»
آخرون استغربوا من غياب أي تحقيق رسمي أو حتى توضيح للمسؤوليات. وكأن المدينة بأكملها تعيش تحت وطأة ثقافة الإفلات من العقاب، حيث لا أحد مسؤول، والقاتل دائماً هو الطقس، والمتهم دائماً هو القدر.
تهديد مضاعف.. حين تحمل السيول الموت مرتين.
وفي تطور ينذر بكارثة أكبر، يحذر مراقبون من أن السيول في مديريات الساحل الغربي لا تجرف فقط الأطفال والأحجار، بل تنقل معها الألغام والعبوات الناسفة التي خلفتها الحرب. هذه المقذوفات المميتة تتدحرج مع المياه لتستقر في مناطق مأهولة بالنازحين والمدنيين، مما يعني أن الخطر أصبح طبيعياً وعسكرياً في آن.
تخيل أن السيول لا تغرق طفلك فحسب، بل قد تزرع لغماً في فنائه ليقتله مرتين. هذا ليس سيناريو فيلماً رعباً. هذه هي تعز اليوم.
كم طفلاً يلزم كي نتحرك؟.
يتساءل الجميع في تعز: كم طفلاً آخر يجب أن يغرق قبل أن يُسأل مسؤول واحد؟ هل ننتظر أن تصبح مجاري السيول مقابر جماعية مفتوحة؟ هل ننتظر أن تتحول كل قطرة مطر إلى نعوة جديدة؟
إن دماء أيلول ومجاهد ليست مجرد حبر على ورق. إنها نداء أخير لمن يهمهم الأمر. الوقاية الحقيقية تبدأ اليوم، ليس ببيانات الحداد، بل بمحاسبة المقصرين، وتأهيل البنية التحتية، وإطلاق نظام إنذار مبكر، وفتح ملف الإهمال بشكل جدي.
تعز تستحق ألا يموت أطفالها غرقاً في مياه كانت يمكن أن تكون مصدر حياة. وعيون أمهات لا تنام الليل تنتظر أبناء لن يعودوا، تستحق منكم وقفة حق.
رحم الله أيلول ومجاهد.. وجعل الجنة مأواهما.. وألهم أهلهما الصبر والسلوان.. وأيقظ ضمير غافل قبل فوات الأوان.
















