لم تكن الساعات الواحدة والعشرون التي قضاها المفاوضون في إسلام آباد كافية لمحو إرث من العداء امتد لسبعة وأربعين عامًا بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اصطدمت الجهود الدبلوماسية بجدار صلب من المطالب المتعارضة والشكوك العميقة التي لم تفلح الهدنة المؤقتة في تبديدها.
هذا الفشل في تحقيق اختراق حقيقي يضع المنطقة والعالم بأسره أمام منعطف خطير، خاصة وأن المفاوضات جرت تحت ضغط حرب مدمرة تركت آثارًا اقتصادية وعسكرية عميقة، ولم يعد السؤال الآن يتمحور حول إمكانية التوصل لاتفاق، بل حول ما سيحدث عندما تدق ساعة الصفر في الحادي والعشرين من أبريل الجاري، وهو الموعد الذي حددته الإدارة الأمريكية لانتهاء الهدنة الحالية، وسط مؤشرات قوية تدل على أن الخيارات الدبلوماسية باتت تستنفد أنفاسها الأخيرة أمام لغة التصعيد والوعيد العسكري.
انسداد الأفق السياسي وتداعيات فشل ماراثون إسلام آباد
يرى المراقبون أن تعثر الجلسة التفاوضية الماراثونية في العاصمة الباكستانية لم يكن مفاجأة مدوية في ظل حجم الفجوات الواسعة حول قضايا بالغة التعقيد، حيث تتشابك الشكوك القديمة حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني مع التحديات الجيوسياسية الجديدة التي فرضتها المواجهات الأخيرة، وعلى رأسها السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز الاستراتيجي.
إن إغلاق هذا الممر المائي الحيوي تسبب في اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية، مما جعل من قضية حرية الملاحة حجر زاوية في أي مفاوضات مستقبلية، ومع إصرار طهران على استخدام أوراق الضغط هذه، تجد واشنطن نفسها أمام خيارات محدودة ومرة، إما القبول بمفاوضات تقنية مطولة لا تضمن نتائج فورية، أو العودة إلى خيار القوة العسكرية الذي أثبت في الجولات السابقة أنه يؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية ورفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي.
استراتيجية ترامب: التلويح بـ “خيار القوة” ورفض المماطلة
في الوقت الذي كان فيه مسؤولو البيت الأبيض ينتظرون توجيهات الرئيس دونالد ترامب، جاءت إجاباته من فلوريدا وقاعدة أندروز الجوية لتقطع الشك باليقين، حيث أبدى الرئيس الأمريكي عدم اكتراثه بعودة إيران إلى طاولة المفاوضات من عدمها، مؤكدًا أن واشنطن لن تنتظر طويلًا خلف أبواب الدبلوماسية الموصدة. ولم يكتفِ ترامب بالتعبير عن زهده في التفاوض، بل رفع سقف التهديد إلى مستويات غير مسبوقة بتصريحه الشهير حول القدرة على تدمير البنية التحتية للطاقة الإيرانية في غضون يوم واحد، بما يشمل محطات توليد الكهرباء ومنشآت النفط. هذا الخطاب التصعيدي يعكس رؤية ترامب التي تعتبر أن الهدنة الحالية كانت “انتصارًا كاملًا” تحقق بفضل القوة العسكرية، وأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يكون بمثابة استسلام إيراني كامل لشروط واشنطن، خاصة فيما يتعلق بإنهاء الطموحات النووية بشكل أبدي ونهائي.
مضيق هرمز.. ساحة المعركة القادمة وحرب الموانئ
إحدى أكثر النقاط اشتعالًا في هذا الصراع هي قضية مضيق هرمز، الذي تحول من ممر تجاري إلى ورقة مساومة عسكرية كبرى، فبعد اتهام ترامب لإيران بالرفض القاطع لتقديم تنازلات نووية، أصدر أوامره للبحرية الأمريكية ببدء تنفيذ حظر شامل على حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية اعتبارًا من يوم الإثنين. هذا القرار يمثل تصعيدًا ميدانيًا مباشرًا يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني وشل قدرته على تصدير ما تبقى من طاقته، كما يحمل في طياته نبرة تهديد صريحة بأن أي محاولة لاستهداف السفن الأمريكية أو المدنية ستواجه برد عسكري ساحق. إن هذا الصراع للسيطرة على المضيق يعيد للأذهان فترات الحروب البحرية الكبرى، ويضع الملاحة الدولية في حالة تأهب قصوى، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مواجهات محتملة قد تشعل فتيل الحرب الشاملة في المنطقة.
العرض النهائي وخطوط واشنطن الحمراء في إسلام آباد
من جانبه، لم يقدم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تفاصيل موسعة حول كواليس الساعات الواحدة والعشرين التي قضاها في المفاوضات، لكنه لمح بوضوح إلى أن واشنطن قدمت “عرضًا نهائيًا وأفضل” يهدف لإنهاء البرنامج النووي الإيراني للأبد، وهو العرض الذي قوبل بالرفض من الجانب الإيراني. وأوضح فانس أن الولايات المتحدة حددت خطوطها الحمراء بوضوح، والتي تتركز بشكل أساسي على منع طهران ليس فقط من امتلاك سلاح نووي، بل من امتلاك الأدوات والقدرات التي تمكنها من إنتاج هذا السلاح بسرعة في المستقبل. هذا الانسداد الدبلوماسي يذكرنا بالفشل الذي حدث في جنيف نهاية فبراير الماضي، والذي أعقبه 38 يومًا من الهجمات الصاروخية الأمريكية المكثفة، مما يشير إلى أن السيناريو العسكري قد يكون الأقرب للتنفيذ حال استمرار الرفض الإيراني للمطالب الأمريكية.
دروس التاريخ وضغوط الوساطة الدولية الهشة
في محاولة لتهدئة الأوضاع، حث وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار جميع الأطراف على التمسك بالهدنة الهشة ومواصلة الحوار، مؤكدًا أن التاريخ يثبت أن الاتفاقيات الكبرى، مثل اتفاق عام 2015، تستغرق شهورًا من العمل المضني والانهيارات المتكررة قبل الوصول لنتيجة.
ومع ذلك، يبدو أن عامل الوقت لا يعمل لصالح الدبلوماسية هذه المرة، فإدارة ترامب الحالية تفتقر للصبر الاستراتيجي الذي ميز المفاوضات السابقة، وتفضل الحسم السريع سواء عبر اتفاقات “الاستسلام” أو القوة العسكرية الغاشمة. وبينما تستمر بعض المحادثات الفنية خلف الكواليس، يبقى العالم مترقبًا لتاريخ 21 أبريل، حيث ستتحدد ملامح المرحلة القادمة: فإما العودة لمعجزة دبلوماسية في اللحظات الأخيرة، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية قد لا تبقي ولا تذر في قلب منطقة تمثل شريان الحياة للطاقة العالمية.
















