تتجه الأنظار إلى بوادر مسار تفاوضي جديد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مؤشرات على تقدم أولي قد يمهد لاتفاق أوسع خلال فترة زمنية قصيرة. وبينما تتحدث تسريبات دبلوماسية عن مذكرة تفاهم وشيكة، تكشف التصريحات عرب تايماقضة من الجانبين عن حجم التعقيد الذي لا يزال يحيط بهذا الملف الحساس.
وفق تقرير نشرته صحيفة «لو فيغارو»، تشهد المفاوضات تقدمًا ملموسًا بوساطة باكستانية نشطة، حيث تم التوصل إلى تفاهمات مبدئية حول القضايا الأساسية، مع تأجيل التفاصيل التقنية إلى مراحل لاحقة. وتشير مصادر مطلعة إلى أن ما تحقق حتى الآن يمثل أرضية سياسية أولية، وليس اتفاقًا نهائيًا.
وتلعب باكستان دورًا محوريًا في هذا المسار، إذ يقود قائد الجيش، المشير عاصم منير، تحركات دبلوماسية بين عدة عواصم، شملت طهران، حيث أجرى محادثات وصفت بأنها أسهمت في تحقيق اختراق في ملفات معقدة. وتعكس هذه الجهود محاولة إقليمية لخفض التوتر وفتح نافذة للحلول السياسية في توقيت بالغ الحساسية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبرز تباينات واضحة في المواقف، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن موافقة إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وهو ما أثار جدلًا واسعًا في ظل غياب تأكيد رسمي من الجانب الإيراني. كما وصف ترامب هذه المواد بـ«الغبار النووي»، معتبرًا أن نقلها يشكل ركنًا أساسيًا لأي اتفاق محتمل.
بالتوازي، لم تستبعد واشنطن اللجوء إلى خيارات عسكرية في حال تعثر المفاوضات، حيث لوّح مسؤولون، من بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، بإجراءات قد تشمل فرض حصار أو تنفيذ ضربات تستهدف البنية التحتية.
في المقابل، اتسمت الردود الإيرانية بالحذر، إذ نفت مصادر مطلعة بشكل قاطع وجود أي مفاوضات بشأن نقل مواد نووية، مؤكدة أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أساس. ويعكس هذا التباين فجوة واضحة في فهم طبيعة الاتفاق المحتمل بين الطرفين.
ومع ذلك، تحافظ طهران على خطاب يميل إلى «التفاؤل الحذر»، مؤكدة أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، وأن حقها في تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض، مع الإبقاء على إمكانية النقاش بشأن مستويات التخصيب.
وتكشف المقترحات المطروحة عن عمق الخلاف، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض تجميد طويل الأمد لبرنامج التخصيب قد يمتد إلى نحو 20 عامًا، بينما تطرح إيران خيار تعليق مؤقت لا يتجاوز خمس سنوات، ما يجعل الفجوة بين الطرفين كبيرة.
وفي سياق متصل، برزت روسيا كطرف محتمل في جهود الوساطة، حيث أعلنت استعدادها لاستلام اليورانيوم المخصب الإيراني، وهو مقترح قد يوفر حلًا وسطًا يخفف المخاوف الدولية دون إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل.
في المجمل، لا يبدو أن هناك اتفاقًا نهائيًا في الأفق القريب، بل عملية تفاوض تدريجية تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية والوساطات الإقليمية. وقد تشكل مذكرة التفاهم، في حال إبرامها، نقطة انطلاق لاختبار حقيقي لمدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاق مستدام.















