تتأهب العاصمة عدن، ومعها كافة محافظات الجنوب العربي، لإحياء الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي الذي سطر في الرابع من مايو عام 2017 ملامح حقبة جديدة في تاريخ النضال الوطني الجنوبي، حيث لم تكن تلك اللحظة مجرد حدث عابر في شريط الذكريات، بل كانت الميلاد الحقيقي لمؤسسة سياسية جامعة استطاعت نقل تطلعات الشعب من حيز المطالب الطموحة إلى واقع الفعل السياسي المؤثر على الساحتين الإقليمية والدولية.
وتأتي الفعاليات الشعبية المهيبة المرتقبة هذا العام لتؤكد للقاصي والداني أن المسار الذي اختطه شعب الجنوب خلف قيادته المفوضة هو مسار تصاعدي لا يعرف التراجع، وأن القوة التي يستمدها المجلس الانتقالي الجنوبي ليست نابعة من فراغ سياسي، بل هي نتاج تلاحم عضوي فريد بين القيادة والقاعدة الشعبية العريضة التي ترى في هذا الإعلان صمام أمان لمكتسباتها الوطنية وتضحيات شهدائها الأبرار.
مأسسة الإرادة الوطنية
إن عبقرية إعلان عدن التاريخي تكمن في جوهرها في القدرة الفائقة على مأسسة الثورة، وتحويل الزخم الجماهيري الذي ملأ الساحات لسنوات طويلة إلى كيان سياسي يمتلك الرؤية والأدوات، فالانتقال من مرحلة “الحراك” إلى مرحلة “المجلس” مثّل نقطة التحول الاستراتيجي التي مكنت الجنوب من حجز مقعده الطبيعي في مفاوضات الحل الشامل، واليوم نرى أن الفعاليات المليونية التي يتم التحضير لها ليست مجرد احتفالات بروتوكولية، بل هي تجديد للتفويض الممنوح للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، ورسالة سياسية مشفرة إلى المجتمع الدولي مفادها أن أي محاولة للالتفاف على قضية شعب الجنوب هي محاولة محكوم عليها بالفشل الذريع، لأن القرار لم يعد بيد أفراد أو كيانات هشة، بل هو ملك لشعب يخرج بالملايين ليقول كلمته الفصل في اللحظات التاريخية الحاسمة، مما يعزز من الموقف التفاوضي للقيادة الجنوبية ويمنحها الصلابة اللازمة لمواجهة الضغوط الخارجية والداخلية على حد سواء.
الدبلوماسية الشعبية والتأثير الدولي
لقد نجح الجنوبيون من خلال هذا الزخم المتواصل في خلق ما يمكن تسميته بـ “الدبلوماسية الشعبية”، حيث تحول المواطن الجنوبي في الداخل والخارج إلى سفير لقضيته، مسلّحًا بشرعية إعلان عدن الذي وحد الصفوف ونهى زمن التشرذم السياسي، وهذه الحشود التي ستملأ ساحات العاصمة عدن والمحافظات الأخرى تعمل كرافعة سياسية ودبلوماسية فائقة التأثير، تفرض على الفاعلين الدوليين إعادة النظر في حساباتهم تجاه منطقة خليج عدن وباب المندب، إذ يدرك العالم اليوم أن الاستقرار في هذه البقعة الحيوية من العالم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احترام إرادة الشعب الجنوبي وتطلعاته المشروعة في استعادة دولته الفيدرالية المستقلة، فالمجلس الانتقالي، ومن خلال استناده إلى هذا التفويض الشعبي الحي، بات الشريك الوحيد القادر على تأمين المصالح الدولية ومكافحة الإرهاب وحماية الممرات الملاحية، وهو ما يجعله رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في أي تسويات سياسية مستقبلية في المنطقة برمتها.
قطع الطريق أمام الحلول القسرية
تأتي ذكرى 4 مايو هذا العام في ظل تعقيدات سياسية كبيرة تحيط بالملف اليمني والجنوبي، ومن هنا تبرز أهمية هذه التظاهرات كحائط صد منيع أمام أي محاولات دولية أو إقليمية لفرض حلول قسرية أو منقوصة تتجاهل جوهر الصراع وجذور القضية الجنوبية، فالمليونيات المرتقبة تعمل كاستفتاء شعبي مستمر ومتجدد، يمنح القيادة الجنوبية الحق الحصري في تمثيل الشعب والتحدث باسمه، ويؤكد أن مسار استعادة الدولة بكامل سيادتها هو الخيار الوجودي الذي لا رجعة عنه مهما بلغت التضحيات، إن هذا التلاحم الشعبي يبعث برسالة قوية إلى القوى المعادية التي تراهن على عامل الوقت أو الحصار الاقتصادي لكسر إرادة الجنوبيين، مؤكدًا أن الصمود الأسطوري للشعب في مواجهة التحديات المعيشية هو جزء أصيل من معركة الاستقلال، وأن الإرادة التي انتزعت إعلان عدن التاريخي قادرة على انتزاع الدولة وبنائها على أسس حديثة تضمن العدالة والمساواة لكافة أبنائها.
نحو الدولة الفيدرالية المستقلة
إن استراتيجية المجلس الانتقالي الجنوبي في تحويل الزخم الشعبي إلى طاقة سياسية قد آتت أكلها بوضوح، حيث بات صوت عدن يُسمع اليوم في أروقة الأمم المتحدة ومراكز القرار العالمي بوضوح غير مسبوق، ولم يعد بالإمكان الحديث عن مستقبل المنطقة دون حضور الجنوب كطرف أصيل وقوي، والفعاليات المرتقبة ستكون بمثابة الضخ الجديد للدماء في عروق القضية، وتأكيدًا على أن مسيرة الاستقلال تسير بخطى واثقة ومدروسة نحو تثبيت الدولة الجنوبية الفيدرالية على خارطة العالم.
إن هذا الواقع الجديد الذي رسمه إعلان عدن التاريخي، والذي عززه التفويض الشعبي المستمر، يثبت أن الجنوب العربي بات يمتلك الأدوات المتكاملة سياسيًا وعسكريًا وجماهيريًا لإدارة شؤونه وحماية سيادته، وأن المرحلة القادمة ستشهد المزيد من المكتسبات التي تصب في مصلحة تحقيق الهدف السامي، فالشعب الذي يمتلك هذا الإصرار وهذا التلاحم هو شعب قد قرر ملامح مستقبله سلفًا، ولن يقبل بغير الاستقلال التام والناجز بديلًا.















