كشفت تقديرات ومصادر أمنية في تل أبيب عن تصاعد كبير في مستوى التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتزامن مع استمرار العمليات الجوية ضد أهداف إيرانية، في مؤشر على أن المواجهة الحالية تجاوزت مرحلة الضربات المحدودة إلى ما يشبه حملة جوية واسعة النطاق متعددة المستويات.
وبحسب المصادر، فإن الحرب ضد إيران “ما زالت دائرة على قدم وساق”، مشيرة إلى أن إسرائيل شاركت بصورة غير مباشرة في دعم ضربات جوية أمريكية استهدفت مواقع حساسة في ميناء بندر عباس وجزيرة قشم، وهما من أهم النقاط الاستراتيجية الإيرانية المطلة على الخليج ومضيق هرمز.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة أعلى مستويات التوتر العسكري منذ سنوات، وسط تحذيرات متزايدة من انزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة تشمل الممرات البحرية والمنشآت النفطية والبنية العسكرية الإيرانية.
مطار بن غوريون يتحول إلى مركز دعم لوجستي
وفق ما أوردته مصادر إسرائيلية، فإن المشاركة الإسرائيلية لم تكن عبر تنفيذ الضربات مباشرة، بل من خلال توفير دعم لوجستي حيوي للقوات الأمريكية.
وأشارت المعلومات إلى إقلاع ست طائرات أمريكية للتزوّد بالوقود من مطار بن غوريون يوم الخميس، بما يسمح للمقاتلات الأمريكية المتقدمة، خصوصًا طائرات “F-35” و“F-22”، بالبقاء لفترات أطول فوق الأهداف الإيرانية وتنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا وعمقًا.
ويرى محللون عسكريون أن استخدام مطار بن غوريون لهذا الغرض يكشف عن مستوى غير مسبوق من التكامل العملياتي بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، خاصة في ظل حساسية العمليات الجوية بعيدة المدى ضد إيران.
كما يمنح هذا الترتيب إسرائيل ميزة استراتيجية إضافية، إذ يتيح لسلاح الجو الإسرائيلي العمل ضمن البيئة العملياتية نفسها، مع الاستفادة من شبكة الإسناد والوقود الأمريكية.
بندر عباس وقشم.. لماذا هذان الهدفان؟
تركّزت الضربات، وفق التسريبات، على ميناء بندر عباس وجزيرة قشم، وهما موقعان يمثلان أهمية استراتيجية بالغة لإيران.
بندر عباس
يُعد ميناء بندر عباس القلب البحري العسكري والتجاري الإيراني في الخليج، ويضم:
- قواعد بحرية للحرس الثوري.
- منشآت لوجستية وعسكرية.
- مرافئ حيوية لتجارة النفط والشحن.
- قدرات مرتبطة بالمراقبة والتحكم البحري.
وأي استهداف للميناء يحمل رسالة مباشرة تتعلق بقدرة واشنطن وحلفائها على ضرب البنية البحرية الإيرانية وتعطيل جزء من قدراتها في الخليج.
جزيرة قشم
أما جزيرة قشم، الواقعة قرب مضيق هرمز، فتُعتبر نقطة استراتيجية حساسة تستخدمها إيران في:
- مراقبة حركة الملاحة.
- الانتشار البحري السريع.
- تشغيل أنظمة دفاعية وصاروخية.
- دعم عمليات الحرس الثوري البحرية.
ولذلك فإن استهدافها يندرج ضمن مساعي تقليص قدرة إيران على التحكم بالممرات البحرية أو تهديد السفن في المنطقة.
“هجوم جوي ضخم ثانٍ”
وصف موقع “نتسيف” العبري النشاط العسكري الجاري بأنه مؤشر على “هجوم جوي ضخم ثانٍ”، وليس مجرد سلسلة غارات محدودة أو عمليات ردع تكتيكية.
وأشار الموقع إلى أن حجم التحركات الجوية الأمريكية، وعدد طائرات التزوّد بالوقود المستخدمة، يكشفان عن حملة جوية واسعة تستهدف إنهاك القدرات الإيرانية وإبقاء الضغط العسكري مرتفعًا.
ويعكس هذا التوصيف تحولًا في طبيعة العمليات من ضربات موضعية إلى استراتيجية تعتمد على:
- الاستنزاف الجوي المستمر.
- السيطرة على المجال العملياتي.
- توسيع نطاق الأهداف.
- إضعاف البنية العسكرية والبحرية الإيرانية.
كما يتوافق ذلك مع تحذيرات سابقة صادرة عن البنتاغون بشأن احتمال تنفيذ موجات قصف أوسع إذا فشلت المسارات السياسية.
ترامب: “إذا لم يتم الاتفاق سيبدأ القصف”
التصعيد العسكري الأخير يأتي بعد تصريحات حادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال بوضوح: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، سيبدأ القصف”.
وتُفسَّر هذه التصريحات باعتبارها جزءًا من سياسة “الضغط الأقصى العسكري”، التي تهدف إلى دفع إيران نحو القبول بتفاهمات تتعلق بأمن الخليج والبرنامج النووي والملاحة البحرية.
ويرى مراقبون أن واشنطن تحاول الجمع بين:
- الضغط العسكري المكثف.
- التلويح بتوسيع الحرب.
- إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
- فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية.
إسرائيل.. بين الدعم غير المباشر والاستعداد للمواجهة
رغم غياب إعلان إسرائيلي رسمي عن المشاركة في الضربات، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن تل أبيب أصبحت جزءًا فعليًا من البنية العملياتية للحملة الأمريكية.
ويعتقد خبراء أمنيون أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق عدة أهداف من هذا التنسيق، أبرزها:
- استنزاف القدرات الإيرانية دون الانخراط المباشر الكامل.
- اختبار جاهزية الدفاعات الإيرانية.
- تعزيز الردع الإقليمي.
- توجيه رسائل بشأن القدرة على الوصول إلى العمق الإيراني.
وفي الوقت نفسه، تواصل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية رفع حالة التأهب تحسبًا لأي رد إيراني مباشر أو عبر الحلفاء الإقليميين.
هل تتجه المنطقة إلى حرب مفتوحة؟
تزايد وتيرة الضربات واتساع نطاقها الجغرافي يثيران تساؤلات جدية بشأن احتمالات تحول المواجهة الحالية إلى حرب إقليمية واسعة.
ويرى محللون أن أخطر ما في التطورات الأخيرة هو انتقال الصراع من:
- الردع المتبادل،
إلى - عمليات هجومية مستمرة ومتعددة الجبهات.
كما أن استهداف مواقع قريبة من مضيق هرمز يرفع احتمالات اضطراب الملاحة الدولية، ويدفع إيران إلى خيارات أكثر تصعيدًا، قد تشمل:
- توسيع الهجمات البحرية.
- استهداف قواعد ومصالح أمريكية.
- استخدام الحلفاء الإقليميين.
- تعطيل إمدادات الطاقة.
سباق بين التصعيد والتفاوض
ورغم التصعيد العسكري، لا تزال التحركات الدبلوماسية قائمة خلف الكواليس، خصوصًا مع الحديث عن تفاهمات مؤقتة تتعلق بوقف القتال وتأمين الملاحة في الخليج.
لكن المعادلة الحالية تبدو شديدة التعقيد؛ فكلما تصاعد الضغط العسكري، ازدادت فرص التفاوض من جهة، لكن ارتفعت أيضًا احتمالات الانفجار الكبير من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار الضربات الجوية والتحركات العسكرية المكثفة، تبدو المنطقة أمام سباق مفتوح بين خيارين:
- تسوية مؤقتة تمنع الانهيار الكامل.
- أو مواجهة إقليمية واسعة قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله.















