تشهد المؤسسة الأمنية في إسرائيل جدلًا داخليًا غير مسبوق، بعد تسريب معلومات عن رسالة سرية وجهها رئيس جهاز الموساد المنتهية ولايته دافيد برنياع إلى النيابة العامة، تتضمن تحفظات حادة على صلاحية خليفته رومان غوفمان لتولي قيادة الجهاز الاستخباري الأهم في إسرائيل.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام عبرية، من بينها صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد وصلت الرسالة إلى النائبة العامة غالي بهاراف ميارا، التي أكدت بدورها أن مضمونها سيُعرض على قضاة المحكمة العليا في جلسة مغلقة وبشكل أحادي نظرًا لحساسية المعلومات المتعلقة بالأمن القومي.
خلفية التحفظات: “خصوصية الموساد” ومعايير القيادة
تشير الرسالة، وفق التسريبات، إلى أن برنياع شدد على الطبيعة الخاصة لجهاز الموساد، باعتباره مؤسسة تعمل في الخارج بشكل سري وتخضع مباشرة لرئيس الحكومة، مع غياب إطار قانوني تفصيلي ينظم عمله، ما يجعل مسألة اختيار قيادته ذات حساسية استثنائية.
وأكد برنياع في موقفه أن منصب رئيس الموساد لا يتطلب فقط كفاءة أمنية، بل أيضًا مستوى عالٍ من النزاهة والالتزام الصارم بالقانون، نظرًا لطبيعة العمليات السرية التي يديرها الجهاز وتأثيرها المباشر على السياسة الخارجية والأمن القومي.
قضية رومان غوفمان: الجدل حول “حملة التأثير”
تتمحور الاعتراضات، حسب التقارير، حول حادثة سابقة مرتبطة برومان غوفمان خلال قيادته لإحدى الفرق العسكرية، حيث أُشير إلى تورطه في واقعة تتعلق بتكليف ضباط استخبارات باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في إطار ما وُصف بـ “حملة تأثير”.
وتقول المصادر إن الواقعة تضمنت أيضًا تعاملًا مع جندي يبلغ من العمر 17 عامًا، في ظروف اعتُبرت مخالفة للإجراءات الأمنية المعتمدة، وهو ما اعتبره برنياع مؤشرًا على ضعف في فهم حدود العمل الاستخباري والانضباط المؤسسي المطلوب.
البعد القانوني والرقابي
تسلط هذه القضية الضوء على إشكالية أعمق داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، تتعلق بضعف الأطر القانونية المنظمة لعمل الموساد، حيث لا يخضع الجهاز لقانون شامل يحدد صلاحياته وآليات الرقابة عليه، باستثناء الرقابة المالية الجزئية.
ويرى محللون أن هذا الفراغ التشريعي يجعل مسألة تعيين رئيس الجهاز أكثر حساسية، ويضعها في دائرة التقدير السياسي والأمني المباشر، مع اعتماد كبير على الثقة الشخصية والسجل المهني.
انتقال الملف إلى المحكمة العليا
من المتوقع أن يؤدي عرض الرسالة السرية على المحكمة العليا إلى فتح نقاش قضائي غير معتاد حول معايير تعيين رؤساء الأجهزة الأمنية في إسرائيل، وهو أمر نادر الحدوث بالنظر إلى الطابع السري لهذه المؤسسات.
وقد أثار قرار عرض الرسالة في جلسة مغلقة جدلًا إضافيًا، بين من يرى أنه ضروري لحماية الأمن القومي، ومن يعتبره امتدادًا لتسييس التعيينات في المؤسسات الأمنية الحساسة.
دلالات أوسع داخل المؤسسة الأمنية
تعكس هذه القضية، وفق مراقبين، وجود توتر داخلي بين القيادات الأمنية الإسرائيلية حول معايير القيادة في مرحلة تتسم بتصاعد التحديات الإقليمية وتزايد الاعتماد على العمليات السرية وحملات التأثير السيبراني.
كما تشير إلى نقاش أوسع داخل إسرائيل حول حدود استخدام أدوات “الحرب النفسية” ووسائل التواصل الاجتماعي في العمليات الاستخبارية، ومدى توافقها مع القانون والأعراف المهنية.
خاتمة
تضع الرسالة السرية المنسوبة إلى رئيس الموساد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام اختبار دقيق يتعلق بمفهوم النزاهة والمعايير المهنية في اختيار القيادات العليا.
ومع انتقال الملف إلى القضاء، يبدو أن الجدل لن يقتصر على الأسماء المطروحة، بل سيمتد ليشمل مستقبل الرقابة على الأجهزة الاستخبارية وحدود صلاحياتها في بيئة إقليمية متوترة ومعقدة.
















