دخل كير ستارمر “داونينج ستريت” حاملًا وعدًا بـ “إعادة الكرامة والهدوء” للسياسة البريطانية بعد سنوات من الاضطراب داخل حزب المحافظين. لكن “الزلزال الانتخابي” الذي منحه أغلبية مريحة، كشف في الوقت ذاته عن تصدعات عميقة في النسيج السياسي والاجتماعي، مما يضع حكومته في مواجهة مباشرة مع اختبار “الاستقرار” قبل إتمام عامها الأول.
لماذا يواجه ستارمر “عدم الاستقرار”؟
لا تكمن مشكلة ستارمر في المعارضة البرلمانية المشتتة، بل في تحديات هيكلية وضغوط خارجية:
تفتت القاعدة الناخبة: الانتخابات الأخيرة لم تكن “شيكًا على بياض”؛ فقد أظهرت صعودًا قويًا لتيارات أقصى اليمين (حزب الإصلاح) وأقصى اليسار والمستقلين، مما يعني أن أي قرار حكومي قد يشعل احتجاجات في الشارع أو تمردًا داخل القواعد الشعبية.
الإرث المالي الثقيل: يواجه ستارمر ثقبًا أسود في الميزانية العامة، مما يحد من قدرته على تمكين “التغيير” الموعود دون اللجوء لسياسات تقشفية أو رفع ضرائب، وهي وصفة تقليدية لعدم الاستقرار السياسي.
الاضطرابات الاجتماعية: من احتجاجات القطاع الصحي إلى أزمات تكلفة المعيشة، يجد ستارمر نفسه أمام سقف توقعات عالٍ جدًا من جمهور لم يعد يمتلك الصبر الكافي للنتائج طويلة الأمد.
استراتيجية المواجهة: كيف يدير ستارمر الدفة؟
يتبنى ستارمر نهجًا يقوم على ثلاث ركائز أساسية لامتصاص الصدمات:
البراغماتية الصارمة: يبتعد ستارمر عن الأيديولوجيات الحادة، مفضلًا اتخاذ قرارات تقنية (Technocratic) تهدف إلى إصلاح المرافق العامة (خاصة الصحة والنقل) بسرعة لإعطاء انطباع بالسيطرة.
استعادة “الثقة المؤسسية”: من خلال تعزيز سلطة القانون وترميم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والشركاء الدوليين، يسعى ستارمر لتصوير بريطانيا كـ “جزيرة استقرار” في عالم مضطرب، لجذب الاستثمارات التي تعتبر صمام الأمان الحقيقي لمنع الانهيار السياسي.
الاحتواء المبكر للمعارضة: يعمل ستارمر على تحصين جبهته الداخلية داخل حزب العمال، وضمان انضباط الحزب في البرلمان لتفادي سيناريوهات “الانقلابات الداخلية” التي أسقطت أسلافه من المحافظين.
التحدي الخارجي: عاصفة “ترامب” والجيوسياسة
يمثل احتمال عودة دونالد ترامب (أو السياسات الأمريكية المتشددة في 2026) تحديًا لخطط ستارمر للاستقرار. فالضغوط التجارية والأمنية القادمة من واشنطن قد تجبر لندن على اتخاذ مواقف تثير انقسامًا داخليًا حادًا، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الصين أو الموقف من النزاعات في الشرق الأوسط.
الرهان على “الزمن
يراهن كير ستارمر على أن “الاستقرار” هو بحد ذاته “إنجاز سياسي” في عالم تسيطر عليه الشعبوية. نجاحه في مواجهة الزلزال الانتخابي يعتمد على قدرته على إقناع الناخب البريطاني بأن “الملل السياسي” (الناتج عن استقرار الحكومة) أفضل بكثير من “الدراما السياسية” التي ميزت العقد الماضي.
التحدي الداخلي: تمرد “الـ 40 نائبًا”
يواجه ستارمر الآن تمردًا علنيًا داخل حزب العمال:
مطالب بالاستقالة: دعا حوالي 40 نائبًا من حزب العمال ستارمر علانية لتحديد موعد لتنحيه، معتبرين أنه “فقد ثقة البلاد”.
منافسون في الظل: بدأت أسماء كبرى مثل أنجيلا راينر (نائبة رئيس الوزراء) وويس ستريتينج (وزير الصحة) في التحرك ووضع الخطط لسباق زعامة محتمل إذا ما استمر التدهور.
خيار “بورهام”: يضغط مؤيدو عمدة مانشستر، أندي بورهام، لإعادته إلى البرلمان كبديل شعبي لستارمر.
استراتيجية “الهروب إلى الأمام”: إعادة ضبط البوصلة نحو أوروبا
للرد على هذا الضغط، بدأ ستارمر اليوم (الاثنين 11 مايو 2026) خطابًا سياسيًا مكثفًا يهدف إلى “إعادة ضبط” (Reset) أولويات حكومته:
المهمة الوجودية: جعل “إعادة بناء العلاقات مع أوروبا” العمود الفقري لمهمته القادمة لإنقاذ الاقتصاد المتعثر.
قمة طارئة: أعلن ستارمر عن السعي لعقد قمة جديدة مع الاتحاد الأوروبي لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي كحل لأزمة تكلفة المعيشة.
الاستعانة بالحرس القديم: في محاولة لتهدئة المخاوف الاقتصادية، استعان ستارمر برئيس الوزراء الأسبق جوردون براون كمستشار مالي لترميم ثقة الأسواق.
الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية
تأتي هذه الأزمة السياسية وسط ظروف خانقة:
أزمة الطاقة: استمرار التوتر في الشرق الأوسط (خاصة حول مضيق هرمز) أدى لقفزة في أسعار المحروقات، مما أكل من رصيد الحكومة الشعبي.
الحواجز المالية: تضيق المساحة المالية أمام ستارمر لتقديم “هدايا” للناخبين، مما يجعله محاصرًا بين “واقعية الميزانية” و”غضب الشارع”.
















