رغم الأجواء الودية والاستقبال البروتوكولي اللافت الذي حظي به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى بكين، فإن الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام وانتهت وسط ضجة دبلوماسية وإعلامية واسعة، لم تنجح في تحقيق أي اختراق حقيقي بشأن الملف الإيراني، حسب ما أورده موقع Al-Monitor الأمريكي.
وتُعد هذه الزيارة الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ عام 2017، ما منحها أهمية سياسية واستراتيجية كبيرة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية المتعلقة بإيران، والحرب التجارية، وملفات الأمن الإقليمي.
أجواء ودية.. لكن دون اتفاقات
حرص الرئيس الصيني شي جين بينغ على إظهار أجواء ترحيب استثنائية خلال استقبال ترامب، حيث شهدت الزيارة لقاءات مطولة ومشاهد بروتوكولية غير معتادة، عكست رغبة الطرفين في إظهار قدر من التقارب السياسي رغم الخلافات العميقة بين البلدين.
لكن خلف الصور الدبلوماسية والابتسامات المتبادلة، بقيت الملفات الأكثر حساسية عالقة دون تقدم ملموس، وعلى رأسها الملف الإيراني.
وبحسب التقرير، فإن واشنطن كانت تأمل في إقناع بكين بممارسة ضغوط أكبر على طهران، سواء عبر تقليص التعاون الاقتصادي أو تشديد الموقف السياسي تجاه البرنامج النووي الإيراني، إلا أن الصين تمسكت بمواقفها التقليدية الرافضة لسياسة “الضغوط القصوى”.
لماذا يمثل الملف الإيراني نقطة خلاف؟
تعتبر الصين واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، خصوصًا في مجالات:
الطاقة.
التجارة.
البنية التحتية.
الاستثمارات طويلة الأمد.
كما تنظر بكين إلى إيران باعتبارها جزءًا مهمًا من مشروع “الحزام والطريق”، الذي تسعى من خلاله إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي عبر آسيا والشرق الأوسط.
وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة أن استمرار التعاون الصيني الإيراني يخفف من تأثير العقوبات الغربية، ويمنح طهران عرب تايمفسًا اقتصاديًا وسياسيًا في مواجهة الضغوط الأمريكية.
واشنطن أرادت أكثر من المجاملات
وفق التقرير، فإن إدارة ترامب كانت تأمل في أن تؤدي الزيارة إلى تفاهمات أكثر وضوحًا حول:
البرنامج النووي الإيراني.
صادرات النفط الإيرانية.
النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
دعم العقوبات الأمريكية.
لكن بكين فضلت التمسك بسياسة التوازن، مؤكدة ضرورة:
الحلول الدبلوماسية.
تجنب التصعيد العسكري.
العودة إلى المفاوضات الدولية.
وترى الصين أن أي انهيار شامل في العلاقة مع إيران قد يهدد مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة لديها.
حسابات الصين المعقدة
يدرك صانع القرار الصيني أن الملف الإيراني لا يتعلق فقط بطهران وواشنطن، بل يرتبط أيضًا بموازين القوى العالمية.
فالصين تحاول:
الحفاظ على علاقتها بإيران.
تجنب صدام مباشر مع الولايات المتحدة.
حماية مصالحها في الخليج.
تعزيز صورتها كوسيط دولي متوازن.
ولهذا، تبدو بكين حريصة على عدم الانحياز الكامل لأي طرف، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الاستراتيجية مع واشنطن على النفوذ العالمي.
هل فشلت الزيارة بالكامل؟
رغم غياب الاختراق في الملف الإيراني، لا يرى مراقبون أن الزيارة كانت فاشلة بالكامل.
فقد ساهمت في:
فتح قنوات اتصال مباشرة بين الجانبين.
تخفيف حدة التوتر السياسي مؤقتًا.
مناقشة ملفات اقتصادية وتجارية حساسة.
إظهار رغبة متبادلة في منع التصعيد بين القوتين الأكبر عالميًا.
لكن التقرير يشير إلى أن القضايا الجوهرية بقيت دون حلول، وهو ما يعكس عمق الخلافات البنيوية بين واشنطن وبكين.
انعكاسات على الشرق الأوسط
يؤكد استمرار التباين الأمريكي الصيني بشأن إيران أن منطقة الشرق الأوسط ستظل ساحة تنافس دولي معقدة خلال السنوات المقبلة.
فالولايات المتحدة تسعى إلى:
احتواء النفوذ الإيراني.
حماية حلفائها الإقليميين.
فرض مزيد من الضغوط الاقتصادية.
بينما تفضل الصين:
الاستقرار الاقتصادي.
استمرار تدفق الطاقة.
تجنب الصراعات المفتوحة.
وهذا الاختلاف في الأولويات يجعل الوصول إلى موقف موحد بين القوتين أمرًا بالغ الصعوبة.
ماذا بعد؟
يرى محللون أن الملف الإيراني سيبقى اختبارًا رئيسيًا للعلاقات الأمريكية الصينية، خصوصًا مع استمرار:
التوترات النووية.
الصراعات الإقليمية.
المنافسة الاقتصادية العالمية.
إعادة تشكيل التحالفات الدولية.
كما أن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يدفع واشنطن إلى محاولة زيادة الضغط على بكين للحد من تعاونها مع طهران.
خلاصة
كشفت زيارة دونالد ترامب إلى بكين أن الدبلوماسية الودية والصور الرمزية لا تكفي وحدها لحل الملفات الأكثر تعقيدًا بين القوى الكبرى.
فبينما حاولت واشنطن انتزاع موقف صيني أكثر صرامة تجاه إيران، فضلت بكين الحفاظ على توازنها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية، ما جعل الملف الإيراني يخرج من الزيارة دون أي اختراق حقيقي، رغم الضجة السياسية والإعلامية التي رافقتها.
















