منذ أكثر من ثلاثة عقود، واليمن يعيش على وقع أزمات متلاحقة لم تتوقف عند حدود الخلافات السياسية، بل تحولت إلى صراع مفتوح أنهك الدولة والمجتمع وأعاد تشكيل الخارطة العسكرية والسياسية بصورة غير مسبوقة. وبينما تتواصل محاولات البحث عن تسوية شاملة تنهي الحرب المستمرة منذ سنوات، يبرز ملف الجنوب العربي اليوم بوصفه القضية الأكثر حضورا وتأثيرًا في أي نقاش يتعلق بمستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السياسية والاقتصادية الجنوبية ، لم تعد المطالب الجنوبية تُطرح باعتبارها مجرد احتجاجات سياسية أو مطالب تحسين شراكة داخل إطار الوحدة، بل باتت مشروعا سياسيا متكاملًا يستند إلى واقع ميداني وشعبي وعسكري فرض نفسه بقوة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد التغيرات التي أعقبت الحرب الحالية وصعود القوى الجنوبية كلاعب رئيسي في معادلة الأمن والاستقرار.
ويرى مراقبون أن ما وصل إليه اليمن اليوم لم يكن نتيجة الحرب الأخيرة فقط، بل حصيلة تراكمات طويلة بدأت منذ حرب صيف 1994، التي يعتبرها الجنوبيون لحظة فاصلة تحولت بعدها الوحدة من مشروع شراكة متكافئة إلى واقع سياسي وعسكري خاضع لهيمنة مراكز نفوذ تقليدية.
ومنذ ذلك الوقت، دخل الجنوب العربي في مرحلة معقدة من الإقصاء السياسي والتهميش الإداري والاستحواذ على الثروات، الأمر الذي فجّر لاحقا موجة احتجاجات واسعة تمثلت في انطلاق الحراك الجنوبي وتصاعد المطالب باستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
ومع اندلاع الحرب ضد الحوثيين، برزت القوات الجنوبية باعتبارها القوة الأكثر فاعلية في مواجهة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، حيث تمكنت من تأمين محافظات الجنوب العربي وحماية خطوط الملاحة الدولية والمنافذ الحيوية، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة التقليدية تتهاوى بصورة متسارعة.
وخلال السنوات الماضية، عززت القيادة الجنوبية حضورها السياسي والعسكري، مستندة إلى التفاف شعبي واسع، وإلى نجاحات ميدانية فرضت واقعًا جديدا على الأرض. وفي مقدمة هذه التحولات، برز دور الرئيس عيدروس الزبيدي الذي قاد المشروع السياسي الجنوبي نحو مرحلة أكثر تنظيمًا وحضورا إقليميا ودوليا، عبر تقديم القضية الجنوبية باعتبارها قضية شعب يسعى لاستعادة دولته وبناء نموذج مستقر في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا.
ويرى متابعون أن المجلس الانتقالي الجنوبي نجح خلال فترة وجيزة في تحويل القضية الجنوبية من ملف محلي محدود التأثير إلى قضية سياسية حاضرة على طاولات النقاش الإقليمية والدولية، خاصة بعد أن أثبتت التطورات الميدانية أن أي تسوية تتجاهل الجنوب أو تحاول القفز على مطالبه لن تكون قابلة للاستمرار.
وفي الوقت الذي تعاني فيه مناطق واسعة في الشمال من الانقسام والفوضى وصراع مراكز النفوذ، استطاعت القوات الجنوبية بناء منظومة أمنية وعسكرية لعبت دورًا محوريا في تثبيت الأمن ومحاربة الإرهاب، وهو ما منح الجنوب صورة مختلفة مقارنة بحالة الانهيار التي تعيشها أجزاء أخرى من البلاد.
ويعتقد محللون أن فكرة “استعادة الدولتين” لم تعد مجرد طرح سياسي نظري، بل تحولت إلى خيار واقعي تفرضه الوقائع الميدانية والمتغيرات الإقليمية والدولية. فبعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة، باتت العودة إلى الصيغ القديمة أمرا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل غياب الثقة بين الأطراف وفشل كل المبادرات السابقة في إنتاج دولة قادرة على إدارة التعدد والتناقضات.
كما أن قطاعا واسعا من الجنوبيين يرى أن استعادة دولتهم تمثل الطريق الأقصر لبناء مؤسسات مستقرة وتحقيق تنمية حقيقية بعيدًا عن الصراعات التي استنزفت اليمن لعقود. ويستند هذا الطرح إلى قناعة متزايدة بأن الاستقرار لا يتحقق بالشعارات السياسية، وإنما بوجود سلطة قادرة على فرض القانون، وتأمين الخدمات، وحماية المصالح الوطنية، وبناء علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي.
ويحظى الجنوب العربي بأهمية استراتيجية كبيرة بحكم موقعه المطل على أهم الممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها باب المندب وخليج عدن، وهو ما يجعل أي استقرار في الجنوب عاملًا مؤثرًا في أمن الملاحة العالمية والطاقة والتجارة الدولية … ولذلك، ترى دوائر سياسية أن وجود دولة جنوبية مستقرة ومتعاونة مع المجتمع الدولي قد يشكل عنصر توازن مهما في المنطقة، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة في البحر الأحمر والمياه الإقليمية.
كما ان أن أبناء الجنوب العربي يردون بأن المشكلة الحقيقية لم تكن يوما في شكل الدولة بقدر ما كانت في غياب العدالة والشراكة، وأن استمرار فرض وحدة غير قابلة للحياة هو ما قاد البلاد إلى الحروب والانقسامات المتلاحقة.
ويؤكد مراقبون أن الجنوب اليوم يمتلك من المقومات السياسية والعسكرية والشعبية ما يجعله أكثر قدرة على إدارة مستقبله، خاصة مع تنامي الوعي السياسي لدى الشارع الجنوبي، ووجود قيادة سياسية تسعى لترسيخ مشروع الدولة واستعادة المؤسسات وبناء شراكات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة واحترام السيادة.
ومع استمرار المشهد اليمني في حالة انسداد سياسي، تبدو القضية الجنوبية أكثر حضورًا من أي وقت مضى، ليس فقط بوصفها مطلبًا شعبيًا، بل باعتبارها أحد المفاتيح الرئيسية لأي تسوية مستقبلية شاملة. فالتطورات المتسارعة على الأرض تؤكد أن تجاهل إرادة الجنوبيين لم يعد خيارًا ممكنًا، وأن أي مشروع سلام لا يعترف بحقوق الجنوب وتطلعات شعبه سيبقى معرضًا للفشل والانهيار.
وبين تعقيدات الحرب، وتبدل موازين القوى، وتصاعد الدعوات لإعادة صياغة مستقبل المنطقة، يظل السؤال الأبرز حاضرًا بقوة .. هل باتت استعادة الدولة الجنوبية الخيار الأكثر واقعية لإنهاء واحدة من أعقد الأزمات في المنطقة، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والأمن والتنمية؟
















