نبيل القعيطي… ست سنوات على اغتيال العدسة التي واجهت الرصاص وخلّدت الحقيقة في ذاكرة الجنوب
عرب تايم – المجهر العربي
في الذكرى السادسة لاستشهاد المصور الحربي الجنوبي نبيل القعيطي، تعود الذاكرة الجمعية لشعب الجنوب إلى ذلك اليوم الثقيل في 2 يونيو 2020، حين خسر الإعلام الجنوبي أحد أبرز أعمدته وأكثرها جرأة وإخلاصًا، برصاص الغدر أمام منزله في مديرية دار سعد. لم يكن ذلك مجرد اغتيال فرد، بل كان استهدافًا مباشرًا للكلمة الحرة، والصورة الصادقة، والعدسة التي كانت تفضح وتوثّق وتنتصر للحقيقة في أحلك ظروف الحرب.
لقد كان اغتيال الشهيد نبيل القعيطي عملية مدروسة ومخططة، استهدفت واحدًا من أهم رموز الإعلام الحربي الجنوبي، الذي لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان جزءًا من معركة الوعي، يقف في الخطوط الأمامية جنبًا إلى جنب مع المقاتلين في الجبهات، يوثق الانتصارات، ويكشف جرائم المليشيات الحوثية والتنظيمات الإرهابية، ويمنح الناس جرعة من الحقيقة وسط ضجيج التضليل الإعلامي.
لم يكن نبيل القعيطي مصورًا عاديًا، بل كان حالة استثنائية في المشهد الإعلامي الجنوبي؛ رجل حمل الكاميرا كما يحمل المقاتل سلاحه، لا يهاب الخطر، ولا يتراجع أمام الموت، ولا يساوم على الحقيقة. اقتحم مواقع التفجيرات والاشتباكات، وكان من أوائل من وصلوا إلى أماكن لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ومنها حادثة تفجير مقر البحث الجنائي التي عكست حجم شجاعته وإصراره على نقل الصورة كما هي، بلا تزييف ولا خوف.
لقد شكلت صور الشهيد القعيطي ولقطاته نافذة للجنوب على حقيقة ما يجري في الميدان، وأسهمت بشكل كبير في رفع الروح المعنوية للمقاتلين والجمهور، وجعلت من الإعلام الجنوبي طرفًا فاعلًا في معركة الوعي، لا مجرد ناقل للأخبار. كان يدرك أن الصورة قد توازي الرصاصة أثرًا، وأن الكلمة قد تصنع فارقًا في معركة مصيرية.
في شخصيته، كان نبيل يجمع بين البساطة والجرأة، بين الابتسامة التي تبعث الأمل، والإصرار الذي لا يعرف التراجع. كان قريبًا من زملائه، حريصًا على الناس، مؤمنًا بأن ما يفعله ليس مهنة عابرة، بل رسالة وطنية تتطلب التضحية. لذلك لم يكن غريبًا أن يتحول إلى رمز إعلامي جنوبي، وأن تحظى أعماله بمتابعة واسعة، وأن يترك فراغًا كبيرًا بعد رحيله.
جاء اغتياله ليكشف مرة أخرى حجم الاستهداف الذي يتعرض له الإعلام الجنوبي وكوادره، في محاولة لإسكات الصوت الحر وكسر الكاميرا التي توثق الحقيقة. لكنه، رغم الألم، تحوّل إلى علامة فارقة في الذاكرة الجنوبية، وإلى شاهد على مرحلة دموية حاولت فيها قوى الإرهاب والظلام طمس الحقيقة دون جدوى.
لقد اعتبر كثير من الناشطين أن استشهاد نبيل القعيطي لم يكن خسارة شخصية أو إعلامية فقط، بل كان خسارة وطنية كبيرة، لأنه كان أحد أدوات المعركة غير المسلحة التي لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان. فهو كان “الجبهة الإعلامية” التي تواجه التضليل وتكشف المستور، وتفضح مشاريع العنف والإرهاب.
اليوم، وبعد ست سنوات على استشهاده، لا تزال صورة نبيل القعيطي حاضرة في وجدان الشارع الجنوبي، لا تغيبها السنوات ولا تطويها الأحداث. ما زال صوته الإعلامي يتردد في كل صورة وثقها، وفي كل مشهد التقطه من قلب الميدان، وكأنه يذكّر الجميع بأن الحقيقة قد تُستهدف، لكنها لا تُهزم.
إن الشهيد نبيل القعيطي لم يرحل من الذاكرة، بل انتقل من كادر الكاميرا إلى ذاكرة وطن، ومن عدسة التصوير إلى أيقونة خالدة في سجل الإعلام الجنوبي. لقد رحل الجسد، لكن بقيت الصورة، وبقيت الرسالة، وبقيت الحقيقة التي دافع عنها حتى آخر لحظة في حياته.
وفي كل عام، تعود هذه الذكرى لتؤكد أن من يكتب بالدم لا يُمحى من الذاكرة، وأن من يقف في صف الحقيقة، حتى لو دفع حياته ثمنًا، يظل حاضرًا في ضمير شعبه، حيًا في وجدان الأجيال، وملهِمًا لكل من يؤمن بأن الكلمة والصورة قد تكونان سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن أي سلاح آخر في ميادين الصراع.

















