تحت وطأة المعاناة وبقوة الإرادة الحرة، فجَّر شعب الجنوب العربي طاقاته الثورية المعهودة في مليونية كاسحة جسدت إعصارًا جنوبيًّا هادراً، هبّ ليقتلع من الجذور كل محاولات وأغلال الوصاية السعودية، ويعيد تصحيح المسار السياسي بفرض السيادة الكاملة على القرار الوطني والسيادي للجنوب.
هذا الاحتشاد التاريخي ليس مجرد تعبير عابر عن السخط، بل تحول إلى جدار حماية شعبي صلب تصدت عبره الجماهير بحسم لسياسات العقاب الجماعي وحرب الخدمات، لتثبت للعالم أجمع أن ثروات الجنوب وأرضه وقراره السياسي ملك خالص لأبنائه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إخضاعها للمساومة أو الابتزاز من قِبل أي قوى إقليمية.
وتمثل هذه المليونية الفاصلة محطة نضالية متجددة واستراتيجية في سفر الثورة الجنوبية التحررية؛ حيث يعيد الشارع الجنوبي من خلالها رسم خارطة التحالفات على أسس من الندّية واحترام الخصوصية الوطنية.
الخروج الكاسح لأبناء الجنوب يبعث برسائل واضحة ومباشرة إلى الفاعلين الدوليين وفي مقدمتهم الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي مفادها أن الحلول الأحادية التي تُطبخ خلف الأبواب المغلقة والتسويات المشبوهة التي تتجاهل المكتسبات الميدانية للجنوب، لن تجد طريقاً للنفاذ على الأرض، وأن إرادة الشعوب الحية قادرة على إسقاط مشاريع الوصاية والتبعية مهما بلغت قوة الأطراف التي تقف وراءها.
كما تكتسب هذه المحطة الثورية أهميتها من كونها رسخت التلاحم الفولاذي بين الشعب وقيادته السياسية المتمثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي.
وقد برهنت الجماهير بوعيها الجمعي أن المراهنة على كسر إرادة الجنوبيين عبر بوابة الحصار المعيشي وإفقار المؤسسات الخدمية هي مراهنة خاسرة وجوفاء؛ بل إن هذا الحصار قد استحال وقوداً لثورة شعبية عارمة تؤكد التمسك المطلق بالمكتسبات العسكرية والأمنية التي تحققت بتضحيات الشهداء، وترفض إعادة تدوير رموز الفساد أو تمكين القوى الراديكالية والمليشيات الحوثية من مقدرات الجنوب.
إعصار الجنوب الميداني يضع الإقليم والعالم أمام حقيقة استراتيجية راسخة بأن قطار التحرير الجنوبي قد انطلق بقوة دفع شعبية لا يمكن ترويضها أو إيقافها، وأن هذا النضال السلمي والعسكري مستمر ودون تراجع حتى انتزاع الاستقلال الناجز وبناء الدولة الجنوبية الفيدرالية كاملة السيادة على حدود ما قبل عام 1990م.
وبات واضحًا أن السيادة والعيش الكريم هما ثوابت وجودية لشعب الجنوب العربي، وأي مسعى لتجاوزها لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد والاضطراب الذي لن تسلم من تبعاته جبهات المنطقة بأسرها.














