كما ان هذا الحراك والغليان الشعبي الجنوبي المتعاظم لا يمثل مجرد احتجاجات عابرة أو ردود أفعال مؤقتة، بل هو استفتاء شعبي متجدد يترجم بالدم والنضال الرفض القاطع لأي محاولات لفرض الوصاية الخارجية، أو تجاوز التطلعات السياسية المشروعة لشعب الجنوب الذي قدم قوافل من الشهداء والتضحيات الجسام في سبيل استعادة دولته الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة.
حيث كانت الحشود البشرية الغفيرة من مختلف الفئات والأطياف الجنوبية لتملأ ساحات الغضب في رسالة مفادها عن تلاحم وطني مهيب، له دلالات واضحة المعالم معبرة بأن زمن الإملاءات والتبعية قد ولى بلا رجعة، وأن الإرادة الشعبية أصبحت الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كافة مشاريع الالتفاف على الحقوق التاريخية أو فرض تسويات سياسية منقوصة لا تلبي تطلعاتهم في الحرية الكاملة والسيادة المطلقة على أرضهم.
وفي عمق هذا الحراك الشعبي والجماهيري، تكشف المظاهرات الحاشدة التي تشهدها المدن الجنوبية عن حالة استياء شعبي عارم تجاه السياسات الممنهجة التي تهدف إلى التضييق الاقتصادي والخدماتي، حيث يدرك المواطنون في الجنوب أن هذه الأزمات المفتعلة والتلاعب بلقمة العيش ليست وليدة الصدفة، بل تُستخدم كورقة ضغط سياسي مكشوفة لابتزاز المواطنين في العاصمة عدن وذلك بهدف ثنيهم عن هدفهم الأسمى.
ورغم كل المحاولات الرامية إلى تركيع الشعب الجنوبي من خلال حصاره في أمنه المعيشي، إلا أن الشارع الجنوبي أثبت وعياً سياسياً صلباً ونضجاً وطنياً لافتاً، حيث تحولت محاولات الضغط الاقتصادي إلى وقود لثورة غضب عارمة تتجاوز كل الخطوط الحمراء التي تضعها القوى المعادية ومنها الاحتلال اليمني والسعودي، مما يثبت للعالم أجمع أن إرادة الصمود في وجه التهميش أقوى بكثير من كل أدوات الحصار والتركيع.
كما انعكس هذا الغليان الشعبي بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ضجت منصة “إكس” (تويتر سابقاً) بتغريدات رسمية ومواقف سياسية حاسمة لنخبة من السياسيين والإعلاميين الجنوبيين الذين واكبوا هذا الحراك. وفي هذا السياق، أكد الأكاديمي والمحلل السياسي الجنوبي الدكتور حسين لقور في طرح رصين له أن محاولات النيل من إرادة الجنوب عبر الذباب الإلكتروني وحملات التشويه ستبوء بالفشل أمام صخرة الوعي الجنوبي، مشدداً على أن القضية الجنوبية تجاوزت مرحلة المناورات وأصبحت فرض عين على طاولة أي تسوية إقليمية.
من جانبه، غرد الناشط والسياسي الجنوبي عادل الحنشي مسلطاً الضوء على الأبعاد الاستراتيجية للحراك، حيث أشار إلى أن طوفان الجماهير في الساحات يمثل رسالة للخارج والداخل معاً، مفادها أن شعب الجنوب يقف في خندق واحد خلف قيادته السياسية وقواته المسلحة لانتزاع سيادته وإبراز مشروعه التحرري أمام صناع القرار الدوليين.
كما أجمعت تغريدات السياسيين الجنوبيين على أن التفويض الشعبي الممنوح للمجلس الانتقالي ليس مجرد خيار سياسي، بل هو عهد معمد بدماء الشهداء لا يمكن التراجع عنه.
كما ان هذا الاصطفاف الشعبي الجنوبي يبرز اليوم كرسالة حازمة تؤكد أن الجنوب العربي لن ينكسر ولن يخضع لسياسة فرض الأمر الواقع، حيث يتجلى تلاحم القبائل والشباب والمرأة والنخب السياسية والأكاديمية في جبهة وطنية موحدة تعكس إجماعاً راسخاً لا تزعزعه الأزمات المصدرة أو السيناريوهات التي تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية.
ويؤكد هذه الانتفاضة الشعبية ضد الوصاية السعودية عن التمسك المطلق بالمجلس الانتقالي الجنوبي، والالتفاف التاريخي حول الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، باعتباره الممثل الشرعي والوحيد والحامل الأمين لراية القضية الجنوبية في المحافل كافة، وهو ما يمنح القيادة تفويضاً شعبياً متجدداً يجهض كل المحاولات الساعية لتجاوز الجنوب في أي تفاهمات مستقبلية.
كما عبر المتظاهرون والمغردون الجنوبيين على حد سواء عن إسنادهم الكامل ومؤازرتهم المطلقة للقوات المسلحة الجنوبية، باعتبارها صمام الأمان والدرع الحصين القادر على حماية الأرض وتطهيرها، وإفشال كافة مخططات الفوضى والإرهاب التي يسعى المتربصون لتصديرها إلى الجنوب .
كما إن هذا التصعيد الشعبي الجنوبي يعيد رسم ملامح المشهد السياسي في المنطقة بأسرها، واضعاً القوى الخارجية والمجتمع الدولي أمام حقيقة ثابتة لا يمكن القفز عليها، وهي أن إرادة الشعوب الحرة لا تموت بالتقادم ولا تنكسر بالمؤامرات، وأن أي حلول سياسية أو تسويات لا تضمن الاستقلال الناجز واستعادة دولة الجنوب العربي ستكون ولادتها ميتة ولن يكتب لها النجاح أمام هذه العزيمة الفولاذية.
كما تمثل هذه الانتفاضة الشعبية مرحلة متقدمة ومفصلية في مسيرة النضال لانتزاع السيادة الكاملة على الأرض والقرار، حيث أثبتت الجماهير أن صوت الشعب هو الأعلى، وأن أي مشروع سياسي لا يضع في صدارة أولوياته تطلعات هذا الشعب في الحرية والكرامة سيظل بعيداً عن الواقع ولن يحظى بأي قبول.















