كتب/ مسعود عمشوش
مقدمة
تمثل الحكاية الشعبية أحد أهم الأوعية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات، فهي لا تنقل أحداثًا متخيلة للتسلية فحسب، بل تختزن تصورات الناس عن الحياة، وعلاقاتهم الاجتماعية، وقيمهم الأخلاقية، ومخاوفهم وآمالهم، فضلًا عن طرائقهم في التعبير والسخرية والحكمة. وفي حضرموت، اكتسبت الحكاية الشفوية خصوصية واضحة من البيئة المحلية واللهجة والعادات والتقاليد، ومن الدور الذي أدته المجالس والأسر، ولا سيما الجدّات، في تناقلها بين الأجيال.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعتان تتناولان الحكاية الشعبية الحضرمية من مدخلين متكاملين: كتابي )الحزايا الحضرمية: دراسة ونماذج الذي صدرت طعته الولى سنة 2021( وكتاب (حكاوي وسفار سراج الدار) للكاتبة تهاني عوض العوبثاني، الذي يحمل العنوان الفرعي (حكايات شعبية ترويها الجدّات للأحفاد)، وصدر عن نادي الشحر الأدبي ضمن سلسلته الأدبية العام الماضي 2025.
وتسعى هذه الدراسة إلى المقارنة بين العملين من حيث المنهج والغاية وطريقة التعامل مع المادة الشفوية واللغة والجمهور المستهدف، وصولًا إلى تحديد القيمة الثقافية والعلمية لكل منهما في مجال حفظ التراث الشعبي الحضرمي.
أولًا: اختلاف المنطلق والمنهج
يتمثل الاختلاف الأساسي بين الكتابين في طبيعة المشروع الذي ينهض به كل منهما. فكتاب «الحزايا الحضرمية: دراسة ونماذج» يتخذ من الحكاية الشعبية موضوعًا للبحث
والتحليل، كما يشير عنوانه نفسه. فهو لا يكتفي بتقديم الحكايات، بل يضعها في إطار معرفي يتيح النظر إليها بوصفها شكلًا من أشكال التعبير الثقافي والسردي، ويجعل من النماذج الحكائية مادة لفهم خصائص هذا اللون من التراث.
وتنبع أهمية هذا المدخل من أنه ينقل الحكاية من نطاق التداول الشفهي إلى مجال الدراسة الأدبية والفولكلورية؛ أي من كونها قصة تروى في مجلس أو منزل إلى كونها نصًا يمكن تحليل بنائه السردي، وشخصياته، ووظائفه الاجتماعية، وعلاقته بالمخيال الشعبي.
أما «حكاوي وسفار سراج الدار» فينطلق من مهمة أقرب إلى الجمع والتدوين والصياغة الأدبية. فالمؤلفة تقدم مجموعة من الحكايات الشعبية في صورة مكتوبة، مستحضرةً فضاء الرواية العائلية التي تتناقل فيها الجدّات الحكايات إلى الأحفاد. ويكشف العنوان الفرعي والإهداء والمقدمة عن ارتباط هذا المشروع بذاكرة الأسرة والانتماء إلى حضرموت والرغبة في إبقاء الموروث حاضرًا في حياة الأجيال الجديدة.
وعليه، يمكن القول إنني أتعامل مع الحكاية من منظور الباحث الذي يريد تفسيرها والكشف عن دلالاتها، بينما تتعامل العوبثاني معها من منظور جامعة الحكايات وصائغتها، التي تريد إنقاذها من النسيان وإعادة تقديمها إلى القراء. ولا يعني هذا الاختلاف أن أحد المنهجين أرفع قيمة من الآخر؛ فالدراسة العلمية والتدوين الأدبي يؤديان وظيفتين متكاملتين في صيانة التراث.
ثانيًا: الحكاية بين موضوع البحث ومتعة القراءة
يمنح المنهج البحثي الحكاية في كتاب «الحزايا الحضرمية» بعدًا يتجاوز أحداثها المباشرة. فالباحث يستطيع أن يتساءل عن طبيعة الصراع داخلها، وعن الأدوار التي تؤديها الشخصيات، وعن القيم التي يكافئها السرد أو ينتقدها، وعن الصلة بين الحكاية والبيئة التي نشأت فيها.
ومن هذا المنطلق، تصبح الحكاية وثيقة ثقافية غير مباشرة؛ إذ يمكن أن تكشف عن أنماط التفكير الشعبي، وصور السلطة داخل الأسرة والمجتمع، ومواقف الناس من الطمع والمكر والذكاء والخداع والعدل، بحسب ما يقدمه كل نص.
وفي المقابل، يتيح كتاب «حكاوي وسفار سراج الدار» للقارئ الاقتراب من الحكايات بوصفها نصوصًا قابلة للقراءة والاستمتاع. فالحوار والمواقف والمفارقات والتعبيرات المحلية تساعد على استعادة أجواء الرواية الشفوية، وتمنح القارئ فرصة التفاعل مع الشخصيات والأحداث من داخل عالم الحكاية نفسها.
وهنا تتضح إحدى نقاط التكامل بين العملين: الأول يساعد على فهم الحكاية، والثاني يتيح استعادة حضورها بوصفها تجربة سردية حية. ومع ذلك، لا ينبغي حصر كتاب الجمع في المتعة وحدها، لأن تدوين الحكايات المحلية يؤدي، في ذاته، وظيفة توثيقية وثقافية مهمة، حتى حين لا يتخذ شكل الدراسة الأكاديمية.
ثالثًا: اللهجة الحضرمية والذاكرة اللغوية
تُعد اللغة من أهم العناصر التي ينبغي الانتباه إليها عند مقارنة المجموعتين. فالحكاية الشعبية لا تتكون من أحداث وشخصيات فقط، بل تحمل معها طريقة مخصوصة في الكلام، وتراكيب متداولة، وأمثالًا وتعابير قد يصعب نقلها إلى لغة معيارية من دون أن تفقد بعضًا من حيويتها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في «حكاوي وسفار سراج الدار»، الذي يستحضر الحكاية كما ترويها الجدّات للأحفاد. فالحوار باللهجة المحلية، متى حافظ على خصائصه الأصيلة، لا يقتصر على إضفاء الطابع الواقعي على الشخصيات؛ بل يصبح وسيلة لحفظ جانب من الذاكرة اللغوية لحضرموت.
أما في كتابي ذي المنحى البحثي، فإن قيمة اللهجة لا تتوقف عند كونها أداة للسرد، بل تمتد إلى إمكان دراستها بوصفها جزءًا من البنية الثقافية للحكاية. فاختيار لفظة محلية بدلًا من أخرى، أو استخدام مثل في موضع معين، قد يكشف عن دلالة اجتماعية أو عن أسلوب في التفكير لا يظهر بالوضوح نفسه عند نقل النص إلى العربية الفصحى.
ومن هنا، فإن المقارنة اللغوية التفصيلية بين الكتابين ينبغي أن تتناول نماذج متقابلة من الحوارات والأمثال والتعابير، لا أن تكتفي بالانطباع العام عن حضور اللهجة. كما ينبغي التمييز بين ما ينتمي إلى الرواية الشفوية الأصلية وما قد يكون ناتجًا عن تدخل الجامع أو الصائغ في أثناء التدوين.
رابعًا: دور المرأة في حفظ التراث الشعبي
يمثل عنوان «حكاوي وسفار سراج الدار» مدخلًا مهمًا إلى قضية اجتماعية وثقافية، هي الدور الذي أدته النساء، ولا سيما الجدّات، في حفظ الحكايات الشعبية ونقلها. فالمجلس العائلي لم يكن فضاءً للتسلية فحسب، بل كان أحد ميادين التنشئة غير الرسمية التي يتعلم فيها الصغار اللغة والأمثال والقيم وأساليب التعامل مع الآخرين.
ومن هذه الزاوية، فإن مشروع تهاني العوبثاني يلفت الانتباه إلى ذاكرة كثيرًا ما انتقلت عبر أصوات النساء، من دون أن تحظى دائمًا بالتدوين أو التوثيق المنظم. ويمنح هذا العمل حضورًا مكتوبًا لحكايات ارتبطت بالخبرة اليومية وبالعلاقات الأسرية وبالتواصل بين الأجيال.
أما المقاربة البحثية في «الحزايا الحضرمية» فتتيح توسيع النظر في هذه الظاهرة، من خلال دراسة وظيفة الراوي أو الراوية، وسياق رواية الحكاية، والجمهور الذي تتوجه إليه، والغاية التي تؤديها داخل المجتمع.
ومن شأن الجمع بين المدخلين أن يفتح مجالًا لدراسة التراث الشفوي الحضرمي من منظور لا يقتصر على بنية النصوص، بل يشمل أيضًا الأشخاص الذين حفظوها، والفضاءات التي رويت فيها، والظروف التي ساعدت على استمرارها.
خامسًا: الجمهور المستهدف والقيمة الثقافية
يختلف جمهور الكتابين، وإن كان بينهما تداخل واضح. فالأول يتوجه للقارئ العادي والباحث، بينما يتوجه الثاني أساسا للقارئ العادي. وهذا التمييز لا يعني أن كتاب الجمع يخلو من القيمة البحثية، أو أن الكتاب التحليلي لا يصلح للقارئ العام. المقصود أن مركز الثقل في كل عمل مختلف: فالأول يبرز أهمية النظر العلمي في الحكاية، والثاني يبرز أهمية حفظ النص الحكائي وتداوله.
وتتضاعف أهمية العملين في ظل التحولات التي طرأت على أنماط الحياة ووسائل الترفيه والتواصل؛ إذ لم تعد مجالس الحكاية تؤدي بالضرورة الدور نفسه الذي كانت تؤديه في الماضي. ومن ثم، يصبح التدوين أحد السبل التي تتيح للباحثين والقراء الرجوع إلى هذا الموروث بدلًا من الاعتماد على ذاكرة الأفراد وحدها.
سادسًا: ما الذي يمكن أن يضيفه العملان إلى دراسة الحكاية الحضرمية؟
على الرغم من القيمة الواضحة للمشروعين، فإن المقارنة العلمية بينهما تفتح آفاقًا لتطوير توثيق الحكاية الشعبية الحضرمية.
أولًا، من المفيد أن تُذكر، متى أمكن، أسماء الرواة أو الراويات، والمناطق التي جُمعت منها الحكايات، وتواريخ جمعها، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات إذا كانت الحكاية الواحدة متداولة بأكثر من صيغة.
ثانيًا، يمكن إعداد معجم صغير للمفردات الحضرمية الواردة في الحكايات، مع شرح الألفاظ القديمة أو المحلية التي قد يصعب فهمها على القارئ من خارج البيئة الحضرمية.
ثالثًا، من المفيد دراسة الأمثال والتعابير الشعبية في سياقاتها السردية، بدلًا من عزلها عن الحكايات التي تمنحها معناها ووظيفتها.
رابعًا، يمكن إجراء مقابلة نصية بين الحكايات التي يضمها الكتابان، لمعرفة ما إذا كانت هناك حكايات مشتركة، وما أوجه الاتفاق والاختلاف في ترتيب الأحداث، وأسماء الشخصيات، والحوار، والنهاية، وطريقة الصياغة.
وهنا يلزم التنبيه إلى أن التشابه في الموضوع أو في انتماء الحكايات إلى الموروث الحضرمي لا يثبت وحده أن أحد الكتابين نقل عن الآخر. فالحكاية الشعبية بطبيعتها قابلة للتداول والتغير، وقد تتعدد رواياتها عبر الزمن والمناطق. ولذلك لا يمكن إثبات التطابق أو التأثر أو الأسبقية إلا بمقابلة النصوص الفعلية وتوثيق بيانات النشر والجمع.
وختاما، ممكن القول إن هذه المقارنة الموجزة بين «الحزايا الحضرمية: دراسة ونماذج» و«حكاوي وسفار سراج الدار» تكشف عن مسارين متكاملين في التعامل مع الحكاية الشعبية الحضرمية. فالمسار الأول يمنح الحكاية إطارًا للبحث والتحليل، ويتيح النظر إليها بوصفها مادة أدبية وثقافية تستحق الدراسة؛ أما المسار الثاني فيعيد تقديم الحكاية إلى القارئ، ويحفظ جانبًا من أجواء الرواية الشفوية ومن اللغة والذاكرة الأسرية المرتبطتين بها.
ولا تكمن قيمة هذين المسارين في المفاضلة بينهما، بل فيما يمكن أن يحققه الجمع بينهما: نصوص شعبية موثقة، ودراسة تكشف خصائصها السردية واللغوية والاجتماعية، ووعي ثقافي يدرك أن الحكاية ليست مجرد بقايا من الماضي، وإنما جزء من الذاكرة التي تصوغ بها المجتمعات صورتها عن نفسها.
ومن هذا المنظور، فإن الاهتمام بالحزايا الحضرمية لا ينبغي أن يتوقف عند نشر مجموعات منها أو تحليل نماذج محدودة، بل يمكن أن يتطور إلى مشروع أوسع لتوثيق الروايات الشفوية، ومقارنة صيغها، ودراسة لغتها، وتحديد وظائفها الاجتماعية، وإتاحتها للأجيال المقبلة.














