من المهرة إلى العاصمة عدن.. استجابة جماهيرية واسعة لدعوة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، في ذكرى ثورة 14 أكتوبر المجيدة، وتجديد للحضور الشعبي الجنوبي المتمسك بهويته الوطنية وتطلعاته نحو استعادة دولته المستقلة.
لم تكن ساحات الجنوب العربي، يوم الرابع عشر من أكتوبر، على موعد مع ذكرى تاريخية عابرة، بل مع زلزال شعبي وجماهيري واسع أعاد إلى الواجهة رمزية الثورة، واستحضر معاني التحرر الوطني في لحظة تتشابك فيها التحديات السياسية والعسكرية مع تطلعات شعب الجنوب إلى تقرير مستقبله.
فمن أقصى المهرة شرقًا، مرورًا بحضرموت وسائر المحافظات الجنوبية، وصولًا إلى العاصمة عدن، تدفقت الحشود استجابةً لدعوة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، لإحياء الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة، وتلبية نداء التعبئة الشعبية العامة، في مشهد توزعت فيه الفعاليات على أكثر من ساحة، وجمعتها عناوين الثورة والهوية الوطنية واستعادة الدولة الجنوبية.
وفي العاصمة عدن، احتضنت ساحة العروض يوم الأربعاء حشودًا جماهيرية كبيرة من أبناء الجنوب، الذين توافدوا للمشاركة في المليونية، رافعين الأعلام الجنوبية، ومرددين الهتافات المعبرة عن تمسكهم بقضيتهم الوطنية. وكان المشهد في دلالته السياسية متجاوزًا حدود الاحتفال بالمناسبة؛ إذ تزامن إحياء ذكرى الثورة مع دعوة صريحة إلى التعبئة الشعبية وإسناد القوات المسلحة الجنوبية، في ظل المواجهات والتحديات الأمنية التي تشهدها عدد من الجبهات.
لم تكن عدن وحدها في المشهد؛ فقد شهدت المكلا وسيئون في حضرموت احتشادًا جماهيريًا مماثلًا، عكس حضور المحافظة في الفعالية الوطنية، فيما شهدت المهرة توافد أعداد كبيرة من أبنائها من مختلف المديريات، لتؤكد المحافظات الثلاث، بما تمثله من امتداد جغرافي وثقل اجتماعي، أن الحضور الجنوبي لم يقتصر على مركز سياسي أو مدينة بعينها، بل اتخذ طابعًا واسعًا امتد إلى أكثر من منطقة وساحة.
من عدن إلى حضرموت والمهرة.. جغرافيا الجنوب حاضرة في الميدان
في عدن، تركزت الحشود في ساحة العروض، حيث امتزجت رمزية العاصمة السياسية بإرث ثورة أكتوبر، التي انطلقت شرارتها من جبال ردفان عام 1963، وصولًا إلى الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967. وبين الأمس واليوم، استعاد المشاركون ذاكرة مرحلة صنعتها تضحيات المناضلين، وربطوا إرثها بتطلعاتهم الراهنة نحو مستقبل سياسي يعبّر عن إرادة أبناء الجنوب.
أما حضرموت، فقد حضرت من بوابتيها الساحلية والوادي، عبر الاحتشاد في المكلا وسيئون. وفي المكلا، حملت ساحة «القرار قرارنا» دلالات مرتبطة بتأكيد الحضور الحضرمي في النقاش حول مستقبل الجنوب، فيما شهدت سيئون مشهدًا جماهيريًا تخللته الأعلام الجنوبية والهتافات الوطنية. وجاءت المشاركة الحضرمية لتؤكد أن المحافظة، بموقعها وثقلها وامتدادها الاجتماعي، تحتل مكانة محورية في أي مسار يتناول مستقبل الجنوب وقضيته السياسية.
وفي المهرة، توافد أبناء المديريات المختلفة إلى ساحات الاحتشاد، في مشاركة عكست حضور المحافظة في المشهد العام للذكرى الثالثة والستين للثورة. وبرزت الهوية الجنوبية وتطلعات تقرير المصير ضمن الرسائل التي عبّر عنها المشاركون، إلى جانب تأكيد ارتباط المهرة بالنقاش الوطني حول مستقبل الجنوب.
وهكذا، لم تتجمع الحشود في ساحة واحدة حتى يُختزل المشهد في حدودها، بل تعددت الساحات وتوزعت الفعاليات، بينما بقيت المناسبة التاريخية والدعوة الرئاسية والقضية الوطنية عناصر مشتركة في المشهد الجماهيري.
دعوة الرئيس الزُبيدي.. من الاحتفاء بالثورة إلى التعبئة الشعبية
احتلت دعوة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي موقعًا أساسيًا في المشهد؛ فإلى جانب إحياء ذكرى 14 أكتوبر، دعا إلى التعبئة الشعبية العامة وإسناد القوات المسلحة الجنوبية، في رسالة تربط بين الحضور الجماهيري ومتطلبات المرحلة الأمنية والعسكرية.
وقد انعكس هذا الربط في البيان الصادر عن مليونيات الذكرى، الذي اعتبر كلمة الرئيس الزُبيدي برنامج عمل للمرحلتين الراهنة والمقبلة، ودعا إلى تعزيز جاهزية القوات المسلحة الجنوبية ورفدها بالإمكانات والرجال، دفاعًا عن أرض الجنوب وأمنه واستقراره.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من أن الاحتشاد جاء في وقت تشهد فيه جبهات جنوبية مواجهات وتوترات، الأمر الذي جعل إسناد القوات المسلحة حاضرًا إلى جانب المطالب السياسية. كما حملت الفعاليات تحية للمقاتلين والمرابطين في جبهات الصبيحة ويافع والضالع وكرش والمسيمير وأبين وبيحان وغيرها من المناطق، واستحضرت تضحيات الشهداء والجرحى الذين سقطوا في معارك الدفاع عن الجنوب.
وبهذا المعنى، جمع المشهد بين ذاكرة الثورة ومتطلبات الحاضر؛ فالثورة التي ارتبطت تاريخيًا برفض الاستعمار وانتزاع الاستقلال، أصبحت في الخطاب الجماهيري الراهن مرجعيةً لاستحضار الهوية الوطنية وتأكيد التمسك بالحقوق السياسية.
البيان الختامي.. استعادة الدولة في قلب الرسالة السياسية
لم يتوقف البيان الصادر عن مليونيات 14 أكتوبر عند الإشادة بالحضور الجماهيري، بل وضع استعادة الدولة الجنوبية المستقلة في صدارة مطالبه السياسية، داعيًا المجتمعين الإقليمي والدولي إلى الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله واستعادة دولته بحدودها المعترف بها دوليًا قبل 22 مايو 1990.
كما أكد البيان رفض استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وأدان الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المدنيين والمنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية، وشدد على أن معركة الجنوبيين، وفق رؤيته، ذات طابع وطني يرتبط بالدفاع عن الأرض والهوية، وليست معركة مذهبية أو طائفية.
وفي جانب آخر، شدد البيان على رفض تحويل الجنوب إلى ملاذ للجماعات المتطرفة أو قاعدة لانطلاقها، مؤكدًا استمرار دور القوات الجنوبية في مكافحة الإرهاب، ورفض الزج بها في صراعات لا ترتبط مباشرة بالدفاع عن أرض الجنوب ومصالح شعبه.
وتكشف هذه المحاور عن محاولة واضحة لربط المطلب السياسي بأبعاد أمنية وإقليمية، خصوصًا في ما يتعلق بحماية باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، وهي ممرات بحرية ذات أهمية استراتيجية للتجارة الدولية. ويستند البيان إلى ما قدمته القوات الجنوبية من تضحيات في المواجهات العسكرية، ليطرح مسألة إدارة القرارين السياسي والأمني بوصفها جزءًا من النقاش بشأن مستقبل الجنوب.
غير أن تحويل هذه المطالب إلى واقع سياسي يظل مرتبطًا بمسار من التحركات الدبلوماسية، والتوافقات السياسية، والضمانات المؤسسية، إلى جانب قدرة الأطراف المعنية على معالجة القضايا الأمنية والاقتصادية والإدارية المرتبطة بأي تسوية مقبلة.
14 أكتوبر.. ذاكرة الاستقلال وحاضر القضية الجنوبية
تحمل ذكرى 14 أكتوبر مكانة خاصة في الوجدان الجنوبي، باعتبارها محطة مفصلية في مسار التحرر الوطني، انطلقت من ردفان لتفتح الطريق أمام مرحلة من النضال انتهت بتحقيق الاستقلال. ولذلك، فإن إحياءها اليوم يتجاوز استعادة وقائع التاريخ، ليصل إلى سؤال حاضر يتعلق بمستقبل الجنوب وشكل الدولة التي يتطلع أبناؤه إلى بنائها.
ومن هذه الزاوية، جاءت المليونيات لتربط بين إرث الثورة وتطلعات استعادة الدولة الجنوبية المستقلة، وتؤكد، وفق ما عبّر عنه المشاركون والبيان الختامي، أن القضية الجنوبية لا تزال حاضرة في الوعي الشعبي، وأن المطالبة بتقرير المصير تمثل محورًا أساسيًا في خطابهم السياسي.
الرسالة إلى الإقليم والعالم.. الحضور الشعبي يفتح باب الأسئلة
في المحصلة، وضعت مليونيات 14 أكتوبر القضية الجنوبية مجددًا أمام أسئلة تتصل بمستقبل التسوية السياسية، وموقع إرادة أبناء الجنوب فيها، وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى السياسية والعسكرية الجنوبية في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
فالحشود التي خرجت استجابةً لدعوة الرئيس الزُبيدي لم تكتفِ بإحياء ذكرى الثورة، بل عبّرت عن تمسكها بمطالب سياسية محددة، في مقدمتها استعادة الدولة، وإسناد القوات المسلحة الجنوبية، ورفض أن يُرسم مستقبل الجنوب بعيدًا عن تطلعات أبنائه.
وبين إرث الثورة وتحديات الحاضر، جاءت مليونيات 14 أكتوبر استجابةً لدعوة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي للتعبئة الشعبية دفاعًا عن أمن الجنوب ومكتسباته الوطنية في مواجهة التهديدات الحوثية، وتجديدًا للتمسك بحق استعادة الدولة، في ظل استمرار غياب الاعتراف الإقليمي والدولي بتطلعات شعب الجنوب.
ختاماً
من ردفان التي أطلقت شرارة الثورة، إلى عدن التي احتضنت حشود الذكرى، مرورًا بحضرموت والمهرة، استعاد الجنوب في الرابع عشر من أكتوبر واحدة من أبرز محطاته التاريخية، ووضع قضيته الوطنية في واجهة مشهد جماهيري واسع.
لقد تعددت الساحات، وتنوعت الجغرافيا، لكن العنوان الأبرز للفعاليات ظل واحدًا: إحياء ذاكرة الاستقلال، والتعبير عن الهوية الجنوبية، وتجديد المطالبة باستعادة الدولة.
أما الرسالة التي حملتها المليونيات إلى الإقليم والعالم، فهي أن أي مقاربة سياسية لمستقبل الجنوب ستظل مطالبة بالتعامل مع القضية الجنوبية وتطلعات أبنائها بوصفها ملفًا حاضرًا في المشهد، لا يمكن تجاوزه بمجرد إرجائه أو الاكتفاء بإدارته من بعيد.

















