
مع بداية الانتصار الكبير والاستراتيجي للثورة السورية في 8 كانون الأول 2024، انتشرت مقولة “نحن سعداء ولكن…” سريعاً وشملت طيفاً واسعاً ومتناقضاً ممن تبناها، وكانت فلسطين في وفي أغلب الأحيان يكون أحد الأسباب الرئيسية للتحفظ، سواء من أولئك الذين اعتقدوا خطأ (أو يتوهمون (بكل وعي) أن سوريا كانت حليفة للفلسطينيين، أو أولئك الذين فوجئوا بحجم الصمت الذي اتسم به النظام الجديد. وردت الإدارة السورية على الهجوم غير المسبوق من قبل جيش الاحتلال، مما أثر على القدرات العسكرية السورية وحتى على أراضيها.
وكنت ممن رفض هذا التحفظ رفضاً قاطعاً في البداية لأن حجم الزلزال الاستراتيجي الذي أحدثه انتصار الثورة السورية كان حدثاً عظيماً وهيبة ومفاجأة، مما يجعل هذا التحفظ عملية تفريغ غير صحيحة اتهامات أيديولوجية كاذبة لنصر ينافس، وربما يغفل حجمه، زلزال السابع من تشرين الأول (أكتوبر) في غزة.
إن مثل هذا التحفظ غير المفهوم في الأيام الأولى من هذا النصر الكبير يفرغ هذا النصر الكبير والاستراتيجي للشعب السوري من معناه وزخمه الروحي والعاطفي لأمة ظلت مظلومة منذ زمن طويل تحت نير الاستعمار الوحشي والطغيان القاتل، بغض النظر عن أي شيء. الزاوية التي نقترب منها من الصمت، والتي كانت غريبة في ذلك الوقت. وهو الآن أكثر من محير) للقيادة الجديدة فيما يتعلق بهجمات آلة الحرب الصهيونية المستمرة على الأراضي والسيادة السورية.
وحده إخلاء السجون وتحرير آلاف الأسرى (بينهم عدد لا بأس به من الفلسطينيين والعرب الذين سجنوا بسبب دعمهم للقضية الفلسطينية) كان كافيا لجعل هذا النصر كاملا بكل المقاييس.
كما أنه لا يخفى على أحد أن النظام البعثي الأسدي لم يكن قط حليفاً حقيقياً لفلسطين وشعبها. بل كانت حليفاً موضوعياً للهيمنة الصهيونية التي سلمتها هضبة الجولان على طبق من ذهب ومن دون أن تطلق رصاصة واحدة، ولم تتحداها برصاصة واحدة طوال أكثر من خمسين عاماً من حكمها. كما أن رفضه المشاركة في معركة طوفان الأقصى، رغم الإصرار الإيراني على ذلك، هو ما يفسر إلى حد كبير السهولة التي رفعت بها إيران يدها عن هذا النظام بمجرد ظهور أولى بوادر انهياره في وقت قياسي. .
وحده إخلاء السجون وتحرير آلاف الأسرى (بينهم عدد لا بأس به من الفلسطينيين والعرب الذين سجنوا بسبب دعمهم للقضية الفلسطينية) كان كافيا لجعل هذا النصر كاملا بكل المقاييس.
والحقيقة أن عبثية هذا النظام الدكتاتوري العائلي الطائفي اختار اسم فلسطين لواحد من أبشع أفرعه الأمنية، التي كانت متخصصة في اضطهاد الفلسطينيين والتنكيل بهم وبالعرب الذين يدعمونهم، علماً أن “احتضانه” المؤقت للفلسطينيين قيادة حماس كانت بأوامر إيرانية وليست قراراً سيادياً لحكم عائلة الأسد. وللتأكيد على ما هو مؤكد فإن مجازر مخيم اليرموك بعد ثورة 2011 كانت أكبر دليل على عداوة نظام الأسد البعثي لفلسطين وقضيتها، حيث قتل الآلاف منهم وشرّد الباقين مع إخوانهم السوريين في سوريا وخارجها.
بل كان النظام البعثي الأسدي هو القتل الذي ضرب محور المقاومة بقيادة حزب الله وإيران، اللذين تعرضا للآلة العسكرية والاستخباراتية الصهيونية في سوريا وتلقى منها ضربات موجعة، علما أن هذه الضربات لم تستهدف مسؤولين من النظام، بل قادة المحور وكوادره ومقدراته.
وإذا اتضحت لنا هذه المقدمات المهمة فلا بد من النص على فرضية محورية أخرى، وهي أن تحديات الوضع الجديد في سوريا على مستويات كبيرة جداً من التعقيد والتعقيد، مما لا يتيح مجالاً لإطلاق استنتاجات سهلة أو نظرية. أو المغامرة في رسم سيناريوهات مستقبلية دقيقة.
إن عملية ترسيخ النصر وتحديد الأولويات والعمل عليها والبحث عن أفضل السبل لتحقيقها لن تكون سهلة على الإطلاق في ظل مجموعة فريدة من التحديات والتدخلات (سياسات الابتزاز الاستعماري الغربي باستخدام سلاح العقوبات، الأقليات) الفزاعات، والوحشية الثقافية من خلال قضايا جاهزة حول المرأة والحريات الشخصية، وتحديات الإرهاب الداخلي المتمثل بداعش، والانفصالية الكردية بأجندة أجنبية وحتى صهيونية معروفة للجميع، عسكرية صهيونية واستفزازات وانقسامات داخلية على خلفيات طائفية ودينية وعرقية وحتى مناطقية، وهي مصلحة في ظل الغياب التام لأي تجربة سياسية في التعايش والتبادل، والوضع الاقتصادي الكارثي، وتحديات العودة لأكثر من 11 دولة. مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، الخ).
وعليه فإن مطالبة القيادة السورية الجديدة بموقف “حربي” من الهجمات الإسرائيلية المتزايدة يعتبر خروجاً عن الواقع المعقد الذي رسمنا بعض معالمه أعلاه، والحقيقة أنها لا تزال تعاني من الملاحقة من فلول النظام المسلحة التي يمكن توظيفها بسهولة من قبل أطراف عديدة، وهو ما لن يساعده الزلزال السوري الذي تحول بإسقاط نظام الأسد البعثي إلى قصة نجاح، فسورية تمتلك كل مقوماتها البشرية والجغرافية والاستراتيجية.
لكن هذا لا يمنعنا من أن نخلص إلى أن الموقف الذي عبرت عنه القيادة السورية الجديدة من الاستفزازات الصهيونية هو أحد أكبر نقاط ضعفها، على اعتبار أن أدائها في بقية الملفات الأخرى وفق معايير موضوعية (الزمن، الظروف المعقدة). الخ) هي مفاجأة إيجابية للغاية وتعبير عن النضج الكبير في الاقتراب من النصر العظيم بعقل هادئ ورصين، يعترف به الصديق قبل العدو.
كما أنه لم يكن مطلوباً من الحكومة الانتقالية في سوريا ولا قيادتها العسكرية الرد بطريقة غير محسوبة على الاستفزازات الإسرائيلية (التي تهدف إلى إرباك المشهد السوري الجديد واستغلال الفرص المتاحة للمحتل الذي غرق في عجزه عن استغلال قدراته). انتصارات تكتيكية وفشلت في تحقيق أي انتصار استراتيجي منذ بداية الطوفان)، لكن كان لا بد من التعبير عن موقف سياسي قوي ومباشر ضد هذه العربدة الصهيونية، وخاصة وضع الجهات الدولية أمام مسؤولياتها، والمجيء. الخروج للشعب (الشعب السوري أولا). ثم بقية شعوب الأمة وأحرار العالم) والرد على حماقة نتنياهو وعربدة جيشه المجرم.
إن استمرار هذه العربدة حتى الآن، مع التزام القيادة الجديدة (التي لا تفتقد كفاءة التواصل السياسي أو الخطابي) بصمت غريب، جعل نفوس ملايين الأحرار من سوريا وخارجها تنقبض وتعجز أحياناً عن الاستمرار. نتابع الأخبار السورية التي تبلغنا أن هذه الاستفزازات وصلت إلى مستوى مثير للاشمئزاز من خلال التوغلات التي التهمت المناطق. غارات جوية واسعة النطاق تكاد تكون دون توقف، وإطلاق نار على مواطنين سوريين في البلدات الحدودية، واستهداف جوي واسع ومركّز لجيش الشعب السوري وحتى قدراته البحثية والعلمية.
ذلك أن النهج الشامل المتوازن الذي لا يعيد إنتاج التناقضات الوهمية التي يبني عليها الطغاة تخليهم عن القضية الفلسطينية، هو ما يجبر حكام دمشق الجدد على أن يكون لهم موقف أوضح وأقوى. إن ضرورات الاستقرار، وتصفية الإرث الأسدي، وإعادة الحياة إلى بلد كان شبه ميت، وإعادة رسم العلاقات العربية والدولية مع سوريا، لا تبرر كل هذا الصمت وهذا القبول لما يفعله الصهاينة دون رادع.
وفي الواقع، أنا من بين الذين يعتقدون أن القيادة الجديدة في سوريا تمتلك ورقة رابحة كبيرة أمام المجتمع السياسي الدولي، بكل نفاقه وازدواجيته التي لا تعد ولا تحصى، وهي تحذيرهم من أنها في مصلحة الجميع (وهو ما يعترف به الجميع دون أن يتدخلوا). استثناء، وما قد يكون رغم كل شيء حقيقة يصعب القفز فوقها) في سوريا الجديدة المستقرة التي لا يمكن أن يصاحبها هذا القدر من العدوان الكاسح من قبل آلة الحرب الصهيونية.
كما أنني أعتقد اعتقادا راسخا أن هذا الموقف القوي والواضح هو أحد أعظم توقعات شعبنا الذي يذبح في غزة وكل فلسطين، والذي سيشعره بأن سوريا التي وضعها الجديد قد لا يسمح لها بأن تكون فاعلا مباشرا وفي الأحداث يقدم لهم ضمانات بأنه سيكون له شعبه المحرر وديمقراطيته الحقيقية (التي لا وجود لها). فهو يقوم على المحاصصة المناطقية أو الطائفية أو العرقية، ولا على دروس الغرب المعادي في ممارسته لأسس الحرية والديمقراطية وسيادة الشعوب، واحترام الخصوصيات الثقافية والتاريخية لهذه الدول. الشعوب) دعم حقيقي على المستوى الاستراتيجي للحق الفلسطيني في التحرر والتحرير والعودة.
لقد ارتكب النظامان البعثيان (صدام والأسد) ومن قبلهما النظام الناصري خطأ فادحا في استبداد شعبهما بحجة المقاومة ومناصرة فلسطين. ولا ينبغي لحكام دمشق الجدد أن يخطئوا في تصور أن سلامتهم تمر عبر استرضاء كيان المحتل وداعميه بشكل غير عادل، ومن خلال تنازلات قد لا تكون ممكنة بعد ذلك. للتراجع عن ذلك.
إن هذا الصمت المستمر، باستثناء بعض التصريحات اليتيمة هنا وهناك، وخلف الأبواب المغلقة عموماً، هو خطأ استراتيجي فادح على أكثر من صعيد، سيزيد من عربدة الصهاينة وجشع مؤيديهم في التمسك بسوريا الجديدة المسالمة. (كثيراً) إلى قطار التطبيع، أو على الأقل الصمت وخيبة الأمل.
أما من أرادت القيادة الجديدة تحييدها بهذا الصمت، فسيزداد جشعها لمزيد من ابتزازها في هذه القضية وغيرها، من أجل تحييدها موضوعيا عن هموم أمتها، وأهمها الظلم التاريخي غير المسبوق الذي جعلها غزة موقع أبشع عمليات القتل في التاريخ.
ويخدم هذا الصمت أيضًا الدعاية السخيفة للمؤامرة الصهيونية الأمريكية التي أسقطت نظام بشار الأسد “المستهجن”، على الرغم من الحجج الدامغة على أنه ووالده خونة من الدرجة الأولى لفلسطين وقضيتها وشعبها.
وأخيرا، فإن هذا الصمت قد يؤسس، لا سمح الله، لفشل التأسيس الجديد لدولة منخرطة في هموم أمتها بحجة إرضاء الجميع، وهو ما حكم على التحولات الثورية في تونس ومصر خاصة بالفشل الذريع. لأن من تريد إرضاءه سيظل يتعامل معك بشعار (إذا خرجت من جلدك). عندما عرفتك) حتى يتمكن من تدجينك بالكامل حتى ينقلب عليك في أول فرصة.
ولن تنجح هذه المؤسسة المنشودة إذا كان هدفها الأسمى هو إقامة تجربة قطرية معزولة عن القضايا الكبرى والمصيرية التي تعاني منها أمتنا العربية والإسلامية.
لقد ارتكب النظامان البعثيان (صدام والأسد) ومن قبلهما النظام الناصري خطأ فادحا في استبداد شعبهما بحجة المقاومة ومناصرة فلسطين. ولا ينبغي لحكام دمشق الجدد أن يخطئوا في تصور أن سلامتهم تمر عبر استرضاء كيان المحتل وداعميه بشكل غير عادل، ومن خلال تنازلات قد لا تكون ممكنة بعد ذلك. للتراجع عن ذلك.
إن الشعوب الحرة حقا (ضمن مفهوم المواطنة الحقيقية التي لا تعترف بالمحاصصة مهما كانت) والشعوب الديمقراطية حقا هي التي يعول عليها حقا في دعم فلسطين وقضيتها. وعليه، فإن كل الآمال معقودة على أن تكون الثورة السورية هي الفقرة الأولى في هذه المؤسسة التحررية الحقيقية التي لا تستثنى من ضرورات التعامل معها. إن الواقع، بكل صعوباته وتحدياته المعقدة، يقترب من ترك البوصلة متجهة نحو القضايا الكبرى والحاسمة، وفي مقدمتها فلسطين.
*كاتب وسياسي تونسي مقيم بجنيف
















