
إن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس يعني فشل نتنياهو في تحقيق أي من أهداف الحرب التي أعلنها في 8 أكتوبر 2023، عندما قرر اجتياح قطاع غزة وشن حرب برية وجوية وبحرية وإعلامية ونفسية ضده. الفلسطينيين، في محاولة لسحقهم بالكامل.
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، غداة عملية “طوفان الأقصى”، أنه سيبدأ حربا شاملة على قطاع غزة، وأن لهذه الحرب ثلاثة أهداف: استعادة الأسرى الإسرائيليين، والقضاء التام على حركة حماس، وتأمين القطاع. المستوطنات في محيط القطاع أو ما يسمى بـ”غلاف غزة”. .
وواقع الحال أن إسرائيل خاضت أطول حرب في تاريخها على الإطلاق، استمرت 15 شهراً ضد قطاع غزة، لكنها فشلت في تحقيق أي من هذه الأهداف الثلاثة، واضطرت في نهاية المطاف إلى البحث عن أسراها عبر “صفقة”. وليس بالقوة. كما أنها اعترفت ضمناً بأن القضاء على حماس أمر مستحيل. ممكن، وهزيمة شعب متمسك بأرضه ضرب من الخيال ومستحيل.
ولمن يسأل من انتصر في هذه الحرب الدموية المدمرة، نقول إن الحروب تقاس بالنتائج وليس بالمسارات. أي أن الحروب تقاس بنتائجها، وليس بتفاصيلها اليومية. وهذا ما ينطبق وينطبق على كل الصراعات الكبرى في تاريخ البشرية. في الحرب العالمية الأولى، تكبدت قوات الحلفاء التي انتصرت خسائر أكبر. أكثر بكثير من تلك التي تكبدتها القوى المركزية، وخسر المنتصرون ما مجموعه 22 مليون شخص، بينما خسر الجانب الخاسر أقل بكثير: 16 مليونًا فقط.
وفي الحرب العالمية الثانية، كان المشهد أكثر وضوحا. وتكبد معسكر الحلفاء خسائر تجاوزت 61 مليون قتيل، فيما اقتصرت خسائر دول المحور على 12 مليون قتيل فقط. ورغم ذلك فإن نتيجة الحرب كانت لصالح من تكبدوا خسائر أكبر.
المشهد نفسه كان في حرب فيتنام، والثورة الجزائرية، وثورة جنوب أفريقيا، والأمثلة على ذلك كثيرة. وهذا يعني بالضرورة أن الحروب تقاس بنتائجها وليس بتفاصيلها اليومية، وهي ليست معادلة رياضية نحسب فيها ما خسره كل طرف لنستنتج أن صاحب الخسارة الأكبر هو المهزوم. هذه الطريقة تصلح لمباريات كرة القدم وليس للحروب والصراعات الكبرى.
والمهم أيضاً في هذا السياق هو أن يأتي وقف إطلاق النار وليس أمام إسرائيل أي سيناريو لليوم التالي، إذ لم ينجح الإسرائيليون في إسقاط حكم حركة حماس، كما لم ينجحوا في خلق وضع جديد يخدم مصالحهم، وعلى مدى 15 شهراً من الحرب، فشلوا في إقناع أي دولة عربية بالتدخل عسكرياً في قطاع غزة. كما فشلوا في إقناع السلطة الفلسطينية بتقديم بديل لإدارة قطاع غزة، كما فشلوا في خلق أي سيناريو بديل.
الأمر المؤكد اليوم هو أن هذه الحرب التي استمرت 15 شهراً، وهي أطول مواجهة عسكرية في تاريخ الطرفين، انتهت إلى تغيير المنطقة بأكملها، فاليوم الذي يلي هذه الحرب ليس كاليوم الذي سبقها، و ومن المؤكد أن الحسابات القادمة لأي مغامرة عسكرية إسرائيلية مستقبلية ستكون مختلفة تماما عن الحسابات التي كانت لدى الإسرائيليين سابقا.
















