
وكاد الجنرال هرتسي هليفي أن يصبح أهم رئيس أركان بعد يهود باراك، لولا العملية الكبيرة التي قامت بها حماس لاقتحام الحدود مع قطاع غزة، مما جعله يتحمل المسؤولية الأكبر عما حدث، خاصة وأن البعض وتشير التحقيقات إلى أنه تلقى إشارات ليلة 7 أكتوبر بتحركات مشبوهة للحركة، ففضل النوم والانتظار حتى الصباح لتحليلها، لكن حدث ما حدث.
وهليفي هو خريج وحدة الأركان الخاصة “سيرات موتال” السلوك، كما يشير بعض الصحفيين، بحسب خبرته في الوحدة التي تعتمد المفاجأة بعد اكتمال المعلومات بشكل دقيق وشامل لأن التحرك قبل ذلك يعني الكشف عن العملية. ولعل هذه الحقيقة جعلته يقود حرب الإبادة على غزة برأس مخصص ظهر في كل الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام.
وكانت استقالة هليفي متوقعة بعد حملة الإساءات التي شنتها المنظمة والتي أثيرت بشأن الحرب، والتي بدأت منذ نهاية أكتوبر/تشرين الأول الشهر الذي بدأت فيه الحرب، عندما وافق الإسرائيليون على تغريدة لبنيامين نتنياهو، محملين فيها مسؤولية فشل الحرب. قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ويتخلى عن مسؤوليته عما حدث قبل أن يواجه عاصفة انتقادات شديدة ليحذفها ويعتذر، لكنها كانت إشارة إلى هجوم اليمين على تلك الأجهزة الذي وصل بنيامين نتنياهو إلى تمار بن غافر، رأس اليهود الحزب الكبير، يصرخ في وجه هاليفي في اجتماعاته، لكن في أسابيعه الأخيرة وصل إلى حد المطالبة علناً بإقالته، بل وبدأ في الليكود يأكل لحمه على الهواء مباشرة وهي ترشح البدائل وهو لا يزال في القمة من عمله.
وتعد استقالة هاليفي التاسعة هذا العام في الطبقة العسكرية الإسرائيلية، والتي تلتها في اليوم نفسه الاستقالة العاشرة لزعيم المنطقة الجنوبية يارون فنكلمان. إلا أن مسلسل الانهيار في تلك الطبقة بدأ بعد أربعة أشهر من الحرب وافتتحه مسؤول قسم الأبحاث في المخابرات العسكرية عميت سار في فبراير الماضي، وأعقبه شهرين من الاستقالة الكبرى للواء أهارون رئيس إسرائيل. الاستخبارات العسكرية “أمان” التي أسندت إليها بعد توصيات الحرب 73 للجنة مسؤولية الحرب، وكانت مسؤولة عن الحرب بعد فشل الموساد حينها، ثم بعد ذلك بشهرين في يونيو/حزيران، قائد غزة باند آفي روزنفيلد، ثم قائد الشاباك للمنطقة الجنوبية، ثم ضابط شعبة المخابرات في فرقة غزة، ثم قائد الوحدة 8400 في المخابرات، ثم قائد القوات البرية تامير بداي، ليصل إلى النائب رئيس الأركان أمير برهام قبل نهاية هليفي المتوقعة.
تداعيات الزلزال في الطبقة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لن تتوقف، مع اقتراب استقالة رئيس الأمن الداخلي الشاباك رونين بار، ما يعني أن ارتكاسات الهزة الكبيرة لم تتوقف بعد. ماذا يعني ذلك وسط معركة قديمة جديدة تشهدها إسرائيل، وصراع امتد لأشهر على الثورة القضائية التي وقف فيها الجيش ممثلا للدولة العميقة بكل قوته ضد الطبقة السياسية، واستطاع أن يرسمها عندما وأجبر الجيش الوزير السابق يوآف غالانت على التصويت ضد التغييرات القضائية في جولة التصويت الثانية، بعد أن صوت مع الائتلاف في الجولة الأولى.
ومنذ تلك الفترة لم تخف أي دوائر في الليكود والحكومة الإسرائيلية غضبها من هيمنة الجيش على السياسة ورغبته في إخضاع جهاز الأمن القومي الذي كان في نظرهم دولة داخل الدولة، بل دولة تملي قراره بالسياسة، وهو ما يعني نية إحداث تحول في ميزان القوى بشكل يخالف ما هندسه. المؤسس دافيد بن غوريون الذي “وضع قرار الدولة في يد المؤسسات الأمنية وليس في يد هواة السياسة” كما وصفهم حينها.
وجاء السابع من أكتوبر للقاء نتنياهو كفرصة للانقضاض على «بنجوروني» القديم لصالح نظرته الجديدة بشأن إعادة هندسة الدولة والقضاء على بؤر المعارضة، خاصة قاعدتها الصلبة التي يمثلها حزب الله. الجيش بقيادة وأركانه، ورئيسه المحدد قانوناً هو القائد العام للقوات المسلحة وصاحب الحرب والسلم.
“هاليفي هو من قرر دخول غزة عندما كان نتنياهو خائفا من ذلك”، وهذا ما رد عليه مكتب نتنياهو هذا الأسبوع بأن رئيس الوزراء تحلى بشجاعة باجتياح رفح وسط معارضة الجيش.
تخلص نتنياهو من الطبقة الأمنية والعسكرية أو على وشك ذلك، وبدأت بورصة أسماء خلفا لهاليفي، وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس سرعة إجراء المقابلات مع المرشحين، ما أثار غضب نتنياهو الذي يعتبرها فرصة لاغتنامها. الجيش بتعيين شخصية موالية، والتخوف من أن يتم التشاور مع وزير الدفاع مع محترفين وتعيين شخصية مهنية دون رغبة وخطة نيتيهو، خاصة أن الأمر يتعلق بمستقبل نتنياهو السياسي ومستقبله السياسي. الحكومة، كما يهدد قانون تجنيد رجال الدين في الجيش للإضرار بحكومته. وكان له موقف يدعو إلى تجنيدهم، وهو ما يشكل خطرا على نتنياهو، لذا عليه الحذر في التعيين الجديد.
ويبرز اسم الجنرال إيال زمير كمرشح قوي للمهمة، ويحظى بثقة نتنياهو والقادة العسكريين والأركان، ما يجعله الوريث الطبيعي والأكثر تأهيلا، رغم أنه في نظر الليكود والدينيين الصهيونية جزء من الإرث السابق وابن الجيش والدولة العميقة، ولا تحقق رغبة نتنياهو في السيطرة الكاملة على المؤسسة. فهناك من يتوقع أن يفاجئ نتنياهو الجميع باختياره سكرتيراً أمنياً له، قليل الخبرة والعمر، رومان جوفمان، وإلا عندما كان وزير الدفاع غاضباً، لأنه في كل الأحوال كان من الممكن أن يرتكز الموضوع على زمير، فماذا ما سر غضب نتنياهو؟
وفي كل الأحوال، يبدو أن مرحلة الجيش العلماني على وشك التراجع لصالح الجيش الأكثر أيديولوجية والأقل احترافية، ولن يعود رتلاً فقيراً من الدولة كما أراد المؤسس بل مؤسسة تابعة، وهذا سيترك تداعياتها السياسية على الفلسطينيين، إذ كان للجيش دائماً رأي أقل صواباً وصواباً.
أيام فلسطين
















