الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب
في زمنٍ يتأخر فيه الجميع… اختار أن يموت في الصف الأول:
لم يكن الشهيد القائد العميد عمر سعيد الصبيحي رجلاً عاديًا… كان أشبه برصاصة موجهة لا تعرف طريقًا سوى النصر أو الشهادة… قاتل كما يُقاتل الفرسان، ومات كما يموت الأبطال… في الميدان، واقفًا، يقود رجاله نحو المجد بينما ينهال عليه الرصاص من كل صوب، لكنه لم يختبئ، لم يهرب، بل فتح صدره للمواجهة، وسجّل اسمه في سجل الخالدين.
في 7 يناير 2017م، ترجل هذا الجبل الشامخ في جبهة ذو باب – باب المندب، شهيدًا بقنصٍ غادر، وهو في طليعة قواته… لم يكن يومها ضابطًا يأمر، بل قائدًا يهاجم، يخطط، ويُلهب المعنويات، حتى لحظة استشهاده.
جذور الصلابة: من الطور إلى الجبهات:
ولد الشهيد البطل في قرية صيح الفرشة، طور الباحة، محافظة لحج عام 1956م، من أسرة فلاحية بسيطة، لا تملك شيئًا سوى الكرامة والعزيمة… ومن الطفولة على تراب الطور، صقلته الأيام، وتربّى على الانضباط والوفاء، وتعلم أن الكبار لا يُصنعون في القصور، بل في الميادين، حيث يُمتحن الرجال.
التحق بالكليّة العسكرية وتخرّج عام 1979م، ثم أكمل دراسته العليا في الاتحاد السوفيتي وحصل على ماجستير العلوم السياسية بدرجة امتياز (1983 م – 1986م)… وشارك باكرًا في قوات الردع العربية في لبنان عام 1977 م، ضمن الجيش الجنوبي، لتكون تجربته الأولى في القتال خارج حدود الوطن، وتكوِّن رؤيته الثاقبة عن العدو والصديق.
مناضل جنوبي قبل أن يكون ضابطًا:
لم يكن القائد عمر الصبيحي مجرد عسكري محترف، بل كان أحد أعمدة الحراك الجنوبي، ومن أوائل الضباط الذين رفعوا راية الجنوب في وجه منظومة الفساد والاستبداد.
شارك في معظم مراحل الحراك الجنوبي السلمي، وتعرّض للاعتقال مرارًا من قبل نظام صالح، لكنه لم يتراجع. بل ظلّ صوته مدويًا:
الجنوب لا يُدار بالعنف، بل بالكرامة والحق، وسننتزع حقنا حتى آخر نفس.
اللواء الثالث حزم… وولادة رجل المرحلة:
في عام 2016م، تم تعيينه قائدًا للواء الثالث حزم في جبهة كهبوب – وهي جبهة نارية في قلب معركة الكرامة الجنوبية… كان اللواء في حالة تشكل أولي، ويفتقر للكثير، لكن القائد عمر الصبيحي جعل من هذا اللواء قوة ضاربة قادت معارك شرسة في ذو باب وباب المندب.
من خلال تفانيه وإيمانه بقضيته، أعاد الانضباط العسكري والروح القتالية، وبث في رجاله إيمانًا بأنهم يقاتلون من أجل أرضهم، لا من أجل قرارات سياسية متقلبة.
مواقفه البطولية في سبيل الجنوب:
قيادة الهجوم لتحرير باب المندب:
قاد بنفسه الهجوم الحاسم لتحرير أهم نقطة استراتيجية على البحر الأحمر، حيث كانت ميليشيات الحوثي تتحصن بترسانة ضخمة، لم يتراجع… بل تقدم، وقاتل حتى اخترقت جسده رصاصة قناص.
تحرير كهبوب وتأمين الخط الساحلي:
خاض مع رجاله معارك طاحنة لتأمين جبهة كهبوب ومنع اختراقها من قبل الحوثيين… أثبت في هذه المعارك أنه قائد ميداني بالفطرة لا يؤمن إلا بالنصر.
تثبيت عقيدة قتالية جنوبية خالصة:
رفض أي إملاءات خارجية على جنوده، وكان يقول دائمًا، “نحن نقاتل لأجل الجنوب، وليس كمرتزقة لأحد”.
القتال في الصفوف الأمامية:
لم يكن يعرف “غرفة القيادة الخلفية”… كان دائمًا في المقدمة، ولذلك حين استُشهد، لم يكن في مكتبه، بل في قلب المعركة.
الشهادة… تتويجٌ لمسيرة مجد:
استُشهد العميد عمر سعيد الصبيحي في معركة استعادة باب المندب – أحد أكثر المواقع أهمية وحساسية – بعد أن تمكّن مع قواته من إحراز تقدم استراتيجي كبير… سقط، لكن الجبهة لم تسقط… بل ارتفعت راية الجنوب أكثر… استُشهد ولم يعرف الخوف، بل عرف المجد.
الإرث الذي لا يُمحى:
أكاديمي ومحارب: حصل على أعلى الدرجات في العلوم السياسية، لكنه اختار أن يكون في ساحة المعركة لا على كرسي المحاضرات… مناضل وطني: اعتقل لكنه لم يساوم… قائد ومعلّم: ربّى أجيالًا من الضباط والجنود على الشرف والانتماء… أبٌ لرموز جنوبية: ابنه العميد. وضاح عمر الصبيحي قائد الحزام الأمني في الصبيحة محافظة لحج.
خاتمة: صهيل دمٍ لا ينطفئ:
حين يسقط الأبطال، لا تموت قضاياهم، بل تولد من جديد، الشهيد القائد العميد عمر سعيد الصبيحي لم يمت في باب المندب، بل كتب اسمه على بوابة الجنوب المحرر… الجنوب لا يزال حيًّا ما دام فيه رجالٌ مثل الشهيد القائد عمر الصبيحي… يقاتلون بصمت، ويستشهدون بعزة، ويتركون لنا درسًا لا يُنسى: “نموت واقفين، كي لا تحيا أوطاننا راكعة.
أللهم اجعل ما قدّمه من دم، وعرق، وصبر، وقيادة، وولاء، ميزانًا ثقيلاً في حسناته، وشفيعًا له يوم يشتد الحساب.
أللهم اجعل روحه مطمئنة، ترقد بسلام في أعالي الفردوس، كما جعل جسده مطرّزًا بوسام الشهادة على ثرى باب المندب الطاهر.
أللهم لا تجعل بطولته تُنسى، ولا اسمه يُمحى، ولا دمه يضيع هدراً، واجعلنا من أوفى الناس له ولأمثاله من الشهداء.
أللهم آمين،
– نائب رئيس تحرير صحيفة عدن الأمل الإخبارية، ومحرر بعدة مواقع أخبارية.

















