الناشط الحقؤقي أسعد ابو الخطاب
في قلب الجنوب، حيث الأرض تُكتب فيها ملاحم البطولة والكفاح، وُلد صوت لم يمتزج مع رياح الاستسلام أو الانبطاح. إنه الشاعر الشعبي أحمد سعيد أمسعيدي، أحد أبرز رموز الشعر المقاوم في محافظة أبين، الذي لم يكتفِ بنظم الكلمات، بل جعل من شعره سلاحاً يواجه به الاحتلال والقهر.
النشأة والمسيرة:
ولد أحمد سعيد أمسعيدي في محافظة أبين، حيث ترعرع بين ربوع الجنوب وعاش حياة تقليدية تحيط بها أصالة شعب الجنوب. مع الوقت، انطلق في عالم الشعر الشعبي، ليصبح من أهم الأصوات التي تعكس هموم وهمسات الأرض الجنوبية، معبراً عن آلام الناس وآمالهم.
تميز شعره بالجرأة والواقعية، وكان يتناول قضايا وطنه وشعبه، خاصة في أوقات الاحتلال والتحديات.
قصة موقفه المشهور مع آل الأحمر
تأتي اللحظة التي ستخلّد اسم أمسعيدي في ذاكرة الجنوب، حينما زار قادة آل الأحمر – أبرز قادة القوات الشمالية الغازية للجنوب في حرب 1994م – منطقة شقرة في أبين، بعد الاجتياح الدموي.
كان من بين المدعوين كبار شعراء أبين، بينهم أحمد سعيد أمسعيدي. وعندما أتيحت له الفرصة للوقوف على المنصة أمام الضيوف، لم يكن مجرد شاعر يلقي أبياتاً عابرة، بل كان صوتاً وطنياً واضحاً وصريحاً.
بيده عصاه، وبقوة حضوره، قال:
“يا بيت لحمر قرّ، ماشي لك مفر
من خذ ملاح الناس با يعطي ملاح
أنت مسلح بالبندقا والشفر
وإحنا علينا حظر، ممنوع السلاح
هبت نجوم الخير ذي فيها المطر
ما باقي إلا النجم ذي فيه الرياح
لو انته تباني سامحك فيما صدر
والله ما سامح، ولا تبصر سماح”.
هذه الأبيات التي لم ترحّب بالغزاة ولا تخفف من وطأة الاحتلال، كانت قنبلة ثقافية وسياسية بين أيدي الحضور، الذين حاول بعضهم الاسترضاء بعبارات مثل:
“كيف سويت بنا يا أمسعيدي؟ لحنا لباك نرحب بالضيوف.”
لكن أمسعيدي أجاب بحزم:
والله ما طاعني امهاجس ومشى…
هذه الكلمات خلّدت موقفة الثابت في وجه الغزاة، مؤكداً أن الجنوب لن يرضى بالاحتلال أو التنازل عن كرامته.
دور الشاعر في المقاومة الثقافية
لم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي مثل فيها أحمد سعيد أمسعيدي صوت الجنوب المدافع. فقد واصل دوره كشاعر وشاهد على النضال، مشاركاً في الحراك الثقافي والسياسي، ناشراً الوعي ورافضاً كل أشكال الاحتلال والهيمنة.
كان يرى أن الكلمة هي أول خط دفاع عن الوطن، وأن الشعر يمتلك قوة أكبر من السلاح في كثير من الأحيان، لأنه يخلد الحقيقة وينقلها عبر الأجيال.
الخاتمة:
الشاعر الشعبي أحمد سعيد أمسعيدي هو مثال للشجاعة الوطنية التي لا تخشى مواجهة الظلم، ولا تقبل الذل. موقفه من زيارة آل الأحمر إلى أبين، وما قاله أمام الغزاة، يمثل صوت الجنوب الحي، الصامد، الذي لا يلين.
في زمنٍ صمت فيه الكثيرون، صدح الشاعر الشعبي الجنوبي أحمد سعيد أمسعيدي بكلمة الحق، ووقف أمام الغزاة غير آبهٍ بالمجاملات ولا خائف من البطش. لم يكن مجرد شاعر، بل كان لسان الجنوب الحر، الذي عبّر عن نبض الأرض ووجع الإنسان الجنوبي بكلمات نُقشت في ذاكرة الوجدان.
سيظل موقفه التاريخي في شقرة، ومقولته الشهيرة:
“والله ما طاعني امهاجس ومشى”
مرجعًا لكل جنوبي حر، ودليلًا على أن الكلمة إن خرجت من قلبٍ مؤمنٍ بالقضية، تهزّ عروش الطغاة وتُخلّد صاحبها.
رحم الله الشاعر أحمد سعيد أمسعيدي، وجزاه عن الجنوب خير الجزاء، وكتب اسمه في سجل الأبطال الذين قالوا: لا… حين كان الصمت خيانة.
المجد للثابتين… والخزي للمنبطحين.
والجنوب حيٌ لا يموت.
نائب رئيس تحرير صحيفة “عدن الأمل” الإخبارية، ومحرر في عدد من المواقع الإخبارية.

















