كتب/ رامي الردفاني
في قلب الجنوب السوري، وتحديداً في محافظة السويداء، التي لطالما اشتهرت بهويتها الوطنية، وتعددها الثقافي والديني، واعتزاز أهلها بتاريخ من التعايش والمقاومة، تقف اليوم أمام مشهد مُرعب يعكس انهيار الدولة، وغياب القانون، وسطوة الإرهاب المنظم.
هناك، لم يعد الخطر آتياً فقط من التنظيمات المتطرفة العابرة للحدود، بل من شخص يلقب نفسه بـ”الشرع”، تحوّل إلى نموذج صارخ لإرهاب محلي يُمارس بغطاء ديني، ويستهدف النسيج الاجتماعي بشكل مباشر.
من هو “الشرع”؟
“الشرع” الذي يسمي نفسه حاكم سوريا انه ليس مجرد لقب ديني، بل واجهة لشخص أو جماعة تحاول فرض سلطتها تحت شعارات الإسلام، لكنها تمارس أبشع صنوف القمع، والقتل، والابتزاز، والترويع، لا سيما ضد الأقليات والمخالفين فكرياً أو مذهبياً. وبدلاً من أن يكون احمد الشرع وسيلة لتحقيق العدالة، أصبح وسيلة إرهاب تبرر الخطف، والاغتيال، وإقامة محاكم ميدانية لا تتبع أي قانون إنساني أو ديني.
ان السويداء، ذات الغالبية الدرزية، كانت ولا تزال هدفاً لمشاريع تفتيت المجتمع السوري. اليوم، تتعرض هذه المحافظة لهجمة من نوع مختلف، هجمتها ليست من تنظيم خارجي، بل من قوى محلية تم تسليحها وغض الطرف عنها، لتفعل ما تشاء باسم الدين. وتأتي الجماعة المحسوبة على “الشرع” كواحدة من أكثر الفصائل إرهاباً، حيث تختطف شباناً وشابات، وتقتل المعارضين، وتستهدف الأقليات الدينية الأخرى بالترهيب المباشر.
ومن اللافت أن هذه الفئة لا تكتفي بالتعدي الجسدي، بل تمارس تحريضاً طائفياً مكشوفاً يهدد كل مظاهر التعايش، من خلال تكفير المختلف، ووصم المخالف بأنه “مرتد” أو “عميل”، وهي مفردات مألوفة في أدبيات الجماعات التكفيرية التي عرفها العالم في داعش والنصرة وغيرها.
كيف يُدار الإرهاب؟
الشرع ليس وحده هناك شبكات تمويل، وتنسيق ضمني مع مافيات السلاح والمخدرات، وغطاء أمني في بعض الأحيان، مما يطرح سؤالاً خطيراً: من يحمي هؤلاء؟ ولماذا يُسمح لهم بالتغلغل في مجتمع لطالما رفض الطائفية والتطرف؟
يمتلك “الشرع” سجوناً سرية، ومحاكم شرعية مزعومة، وعناصر مدربة على القتل دون محاسبة. هذا ليس “حكم شرعي”، بل نظام عصابات ترتدي عباءة الدين لتبرير الجرائم.
هل يُبنى وطن على الإرهاب؟
الوطن لا يُبنى بالسيف، ولا بالإكراه، ولا بالإرهاب المقنع بفتاوى دينية كاذبة . الوطن يحتاج للعدالة، المواطنة، وقانون يحمي الجميع دون تمييز. التجربة التي نشهدها في السويداء تُثبت أن الإرهاب لا يمكنه بناء وطن، بل يُدمّر المجتمعات من الداخل، ويزرع الخوف مكان الثقة، والحقد مكان السلام.
ما يمارسه قوات “الشرع” وأمثاله هو شكل من أشكال سلطة موازية للدولة، تعيدنا إلى عصور الظلام، حيث يُقتل الإنسان لمجرد أنه لا يتفق مع “تفسيرهم” للدين. وهي ظاهرة تهدد ليس فقط الأقليات، بل كل من يحلم بسوريا مدنية، تحكمها المؤسسات لا الميليشيات.
رغم كل ذلك، لم تخضع السويداء. لا تزال هناك أصوات شجاعة، وشباب يقاومون بالوعي، والرفض، والتوثيق، متحدّين هذه البربرية المقنّعة بالشرع. لكن هذه الأصوات تحتاج لدعم، سياسي وإعلامي وإنساني، حتى لا تُقمع إلى الأبد.
سؤالي الاخير : هل يمكن للإرهاب أن يُقيم وطناً؟ الجواب يأتي صارخاً من أرض السويداء: لا. لا يمكن للوطن أن يكون نتاجاً للعنف والكراهية، ولا يمكن للدين أن يتحول إلى أداة للبطش. سوريا تستحق وطناً حراً، متسامحاً، لا مكان فيه لمنطق الغاب ولا سُلطة “الشرع” المزيفة.

















