كتب / د.مريم العفيف
يا عدن، يا موطني ووطني وموئلي، يا حضني الأول والملاذ الأخير، أكتب إليكِ لا كمن يصف مدينةً على الخارطة، ولا كمن يروي حكايةً سمعها، بل كابنةٍ تنحني لتقبّل يد أمها، وكفلذة كبدٍ تخاطب قلبها الذي منه خُلقت وفيه ستذوب يومًا. إنني حين أكتبكِ لا أكتب مكانًا، بل أكتب نفسي، أكتب دمي، أكتب روحي التي صاغها ملحكِ وسماؤكِ وضحكات أطفالكِ.
كلما نظرت إلى بحركِ، شعرت أنه ليس ماءً بل كتابٌ سماويّ، صفحاته تمتد بلا نهاية، وحروفه أمواج تتلو أسرارًا لا تُقال إلا لمن أحبكِ. كل موجةٍ يا عدن كانت كلمةً تخاطبني، وكل نسمةٍ على شاطئكِ كانت آيةً تهدهدني، وكل ارتطامٍ على صخوركِ كان صلاةً تُرفع عن لساني. لم أرَ البحر كما يراه الناس ماءً للسباحة أو صيدًا للرزق، بل رأيته وجهكِ المائي المضيء الذي يناديني كي أعود، فيغرقني، ثم يلدني من جديد.
وعندما أرفع بصري نحو جبالكِ العالية، أراها أكتافًا هائلة تشيل السماء عن صدركِ، صخورًا تقوم مقام الأمهات في صبرهنّ، وأذرعًا تحرسكِ من شرور الغزاة. كل شعاع غروبٍ يذوب عليها يحيلها إلى معابد خفية، كأنها صوامع أولياء يتهجدون في صمت، صخور لكن أرواحها تهتف في قلبي: هنا جذوركِ، هنا أصل دمكِ، هنا العلو الذي منه ترين العالم صغيرًا أمام عظمتكِ.
وحين أمشي في أسواقكِ وضجيجكِ، لا أسمع أصوات الباعة كبقية الناس، بل أسمع ترتيلًا موسيقيًا أبديًا، كل نداءٍ مقام، وكل مزادٍ إيقاع، وكل رائحةٍ قصيدة من البنّ والبهارات والسمك الطازج، كأنني أقرأكِ في هيئة أصوات وروائح وألوان. ضجيجكِ صلاة يا عدن، وأنا في أسواقكِ لا أشتري ولا أبيع، بل أرتّل وجهكِ كما يُرتّل كتابٌ مقدس.
أما أزقتكِ، فهي عروق قلبكِ. كل دربٍ ضيقٍ نبضة، كل حجرٍ قديمٍ خفقة. بيوتكِ ليست جدرانًا بل وجوهًا، شرفاتها ابتسامات متعبة لكنها حنونة، نوافذها عيونٌ ترقب وتنتظر، أبوابها صدورٌ تحتفظ بأسرار أجيال مضت وبأحلام أجيال ستأتي. في أزقتكِ يا عدن، لا أمشي على أرض، بل أمشي داخل نفسي، في دهاليز روحي، كأنكِ مرآة وجودي كلّه.
ليلُكِ يا عدن ليس غيابًا للشمس، بل حضورًا كثيفًا لأسراركِ، فيه يُفتح كتاب الغيب، فيه يتنفس تاريخكِ كعجوز حكيم يستلقي على حضنكِ. ونهاركِ ليس مجرد شمس تشرق، بل ولادة لكِ من جديد، ميلاد أبدي يتكرر كل فجر، فتقولين لنا بصوتكِ الهادئ: “لم أمت ولن أموت”.
حتى أطفالكِ يا عدن، لستُ أراهم مجرد صغار يركضون ويلعبون، بل أراهم ملائكةً يكتبون بأقدامهم الصغيرة قصائد على ترابكِ، ضحكاتهم أجراس، ركضهم أناشيد، عيونهم وعود أبدية بأنكِ باقية. حين يضحك طفل فيكِ، يتوقف الزمن كله ليسمعه.
رائحتكِ ليست كرائحة أي مدينة؛ هي مزيج البخور والبحر والشمس والملح والعرق والدموع والضحكات. إنها ليست هواءً يُستنشق بل روحٌ تسكن في الرئة وتُصبح جزءًا من الدم. أما نوركِ، فلا يأتي من الشمس وحدها، بل من قلبكِ نفسه، كأنكِ تُضيئين ذاتكِ بذاتكِ، فلا حاجة لكِ لمصباح خارجي.
يا عدن، لستُ فيكِ كما فيكِ ساكنوكِ، لستُ عابرةً على وجهكِ كما يعبرون. أنا ابنتكِ، دمكِ، لحمكِ، صدى أصواتكِ وامتداد جبالكِ ودمعة بحركِ وابتسامة أطفالكِ. أنا وأنتِ شيء واحد، إذا ابتعدتُ عنكِ متُّ، وإذا احتضنتني حييتُ. أنا لستُ زائرة، ولا غريبة، ولا حتى محبة من بعيد. أنا فلذة كبدكِ، جزءكِ الحيّ، التي إن أنفصلت عنكِ ذبلت كزهرةٍ تُركت في صحراء.
أنتِ أمّي حين أحتاج صدرًا، وأنتِ جدّتي حين أفتش عن حكمةٍ قديمة، وأنتِ أختي حين أتشاجر معكِ ثم أعود باكيةً إلى حضنكِ. وأنتِ أنا، ببساطة. ومنكِ أبدأ، وإليكِ أنتهي.
فيا عدن، احفظيني كما أحفظكِ، واحتويني كما أحتويكِ، فأنا مريمكِ، ابنتكِ، أكتبكِ كما يُكتب سفرٌ مقدس، وأرتلكِ كما يُرتّل اسم الله في قلب عاشقٍ لا يعرف الانفصال.
















