✍️الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب
في الحياة، لا يختبر الإنسان فقط في مواقفه مع أسرته أو وطنه، بل أيضًا في طريقة تعامله مع جاره، فالجار ليس مجرد شخص يسكن بجانبك، بل هو الامتحان اليومي للأخلاق، وللقدرة على العيش بسلام دون أن تتحول الحدود بين البيوت إلى جبهات صراع.
في الجنوب، أصبحنا لا نحتاج إلى قراءة كتب الفلسفة لنعرف الفرق بين “الجار الصالح” و”الجار السيئ”.. فالتجربة كفيلة أن تجعلنا خبراء في علم النفاق السياسي!
فبعض الجيران لا يكتفون بإرسال السلام، بل يرسلون معه مساعدات سياسية مشروطة.. تشبه تمامًا تلك الهدية التي تأتيك بابتسامة، وبداخلها خنجر!
لكن المفارقة الكبرى — التي تشبه مأساة الجنوب اليوم — هي أن بعض الجيران لم يكتفوا بإزعاجنا بصوت المولدات أو التطفل على شؤوننا، بل تجاوزوا ذلك إلى هدم أوطان بأكملها تحت شعار الأخوة والجوار!
الجار الصالح.. وطن صغير:
الجار الصالح لا يمد يده إلا بالعون، ولا يفتح بابه إلا في وجه الخير.. هو الذي يقف إلى جانبك وقت الشدة، يشاركك اللقمة والهم، ويغلق بابه على أسرار بيتك لا على طموحاتك.
في مفهوم الجوار الإنساني، الجار الصالح لا يسأل عن مذهبك أو لون علمك، بل يسأل فقط: “هل أنت بخير”؟
ذلك هو الجار الذي يبنى معه وطن، لا مجرد جدار بين بيتين.
الجار السيئ.. عندما يتحول الجوار إلى غزو:
أما الجار السيئ، فهو ذاك الذي يتربص بك، يتظاهر بالود ليغرس خنجره في ظهرك.
نراه أحياناً على شكل دولة تتحدث عن “الوحدة اليمنية” بينما تزرع الفتنة في بيوتنا، أو على شكل مسؤول يتحدث عن “الشراكة” بينما يمارس الإقصاء والتمييز ضد أبناء الجنوب.
الجار السيئ لا يحتاج إلى دبابة ليغزو وطنك، يكفيه لسان منافق وإعلام مضلل وشعار كاذب عن الأخوة الزائفة.
الجنوب.. ضحية الجار السيئ:
منذ عقود، دفع الجنوب ثمن الجيرة السيئة — جيرة خادعة تتغنى بالشعارات بينما تمتص خيرات الأرض وتسكت صوت الحرية.
كم من اتفاق تم توقيعه باسم “الوحدة” فتح لنا باب الحرب؟
وكم من يد صافحناها كانت تخفي خلفها نية الاجتياح؟
لقد اكتشف الجنوبيون أن بعض الجيران لا يريدون لنا أن نبني بيتنا، بل يريدون أن نعيش في بيوتهم كضيوف بلا كرامة.
بين الجوار والجريمة السياسية:
الجنوب اليوم لا يعاني فقط من أزمات الخدمات أو الفساد، بل يعاني من “جيران سياسيين” يظنون أن بإمكانهم مصادرة قراره، والتحكم في مستقبله، والتدخل في تفاصيله اليومية باسم الوحدة أو التحالف أو المصير المشترك!
لكن الحقيقة المرة أن بعض الجيران لا يريدون لك إلا أن تبقى تابعًا، ضعيفًا، تلهث خلف الفتات، بينما هم ينهبون الأرض والقرار باسم “الشراكة”.
الرسالة إلى الجيران:
لسنا ضد الجوار.. ولكننا ضد من يحوله إلى وصاية لسنا ضد الشراكة.. ولكننا ضد من يستخدمها كغطاء للنهب والهيمنة.
الجنوب يريد جارًا صادقًا لا وصيًا متكبرًا، وجارًا يفرح بنهضتنا لا يغتاظ من استقرارنا.
الجنوب.. الضحية الدائمة للجيران المتعبين:
كلما حاول الجنوب أن يلتقط أنفاسه، يأتي أحد الجيران ليسأله: “هل تحتاج مساعدة”؟
مجرد أن تقول “نعم”، تجد نفسك داخل اجتماع طارئ عنوانه: كيفية إدارة الجنوب دون الجنوبيين!
يا للعجب… حتى في الجوار، يريدون أن يكونوا “مديرين تنفيذيين” لمشاعرنا!
رسالة إلى الجيران الشماليين “ذوي النوايا الطيبة جدًا”:
أيها الجار العزيز.. نحن الجنوبيين لا نريد منكم أكثر من أن تغلقوا الباب بهدوء، لا نريد نصائحكم، ولا مساعداتكم “المليئة بالشروط”، ولا بياناتكم التي تبدأ بكلمة أخوة وتنتهي بكلمة وصاية!
فقط اتركوا الجنوب وشأنه،
فنحن لا نحتاج إلى جار يسهر على راحتنا، بل إلى جارٍ لا يسهر علينا أصلًا!
ختامًا:
الجار الصالح يبني معك بيتًا من الثقة، أما الجار السيئ، فيهدم وطنًا كاملًا من الداخل ثم يبتسم وكأنه لم يفعل شيئًا!
ومن لا يحترم جيرته اليوم.. سيدفع غدًا ثمن صمته حين ينهار السقف فوق رأسه هو أيضًا.. الجار الصالح لا يخاف من نجاحك، بل يعتبره جزءًا من نجاحه، ولا يراك منافسًا، بل سندًا يقوي جدار الثقة بينكما.
أما الجار السيئ.. فهو من يلبس ثوب الأخوة ليخفي نواياه الخبيثة يتحدث عن “الوحدة” وهو أول من يزرع الكراهية، ينادي “بالشراكة” وهو يرفض المساواة، ويتحدث عن “الوطن الكبير” بينما يسرق أوطان الآخرين باسم القومية والمصير المشترك!

















