تقرير صحفي – عرب تايم/خاص:
في كل عام، حين يشرق يوم 30 نوفمبر على الجنوب، لا يأتي كذكرى عابرة، بل كقنبلة من الذاكرة تفجر في وجدان الناس أعظم معاني الكرامة والانتصار.
إنه اليوم الذي طرد فيه الجنوبيون آخر جندي أجنبي من أرضهم، اليوم الذي أثبت فيه شعب صغير بعدته البسيطة وإصراره العميق أنه قادر على كسر المستحيل وانتزاع استقلاله من بين أنياب واحد من أكبر جيوش الاستعمار آنذاك.
لكن… وما إن تهدأ هتافات الفخر، حتى ينهض سؤال مر كالحقيقة نفسها:
لماذا أعدنا قيودنا بأيدينا في 22 مايو؟
إنها المفارقة التي تعيش في قلب كل جنوبي منذ ثلاثة عقود: كيف لشعب حرّر أرضه بدماء الشهداء في نوفمبر المجيد، أن يجد نفسه بعد سنوات قليلة مقيّدًا بوحدة تحولت إلى قيد ثقيل، ووعد سياسي انقلب إلى سيطرة ونهب وإقصاء؟
ما بين التحرير والتقييد… حكاية وطن صنع مرتين:
التحرير في 30 نوفمبر كان ميلادًا جديدًا لدولة الجنوب، دولة ولدت من رحم تضحيات آلاف الرجال والنساء الذين حملوا السلاح، وحملوا قبل السلاح إيمانًا راسخًا أن الوطن يستحق.
أما 22 مايو فجاء باتفاقات سياسية منحت الشريك كل شيء، وجردت الجنوب من كل شيء.. وحدة لم تبنى على احترام شريك بل على ابتلاعه، ولم تكتب بحبر الإرادة الشعبية بل بحسابات سلطة وحزب.
شعب انتصر في الميدان… وهزم على طاولة السياسة:
في نوفمبر كان الانتصار حاسمًا، واضحًا، ومشرفًا.
لكن في مايو… لم تكن الهزيمة واضحة، بل جاءت مغلّفة بشعارات الإخاء والعروبة والوحدة المثالية، حتى كشفت السنوات حقيقتها:
نهب للثروات، استباحة للأرض، إقصاء للهوية، وجر الجنوب إلى حروب متتالية لا ذنب له فيها إلا لأنه “شريك ضعيف”.
أجيال جديدة تطرح السؤال نفسه:
اليوم، وبعد كل الدم الذي سفك، وبعد كل حرب دمرت الجنوب ثم جاء أبناؤها ليعيدوا بناءها بعرقهم، لا يزال السؤال ينفجر من جديد:
هل يستحق الجنوب أن يحتفل بتحريره من الاستعمار الأجنبي في 30 نوفمبر، بينما لا يزال يرزح تحت إرث الاستعمار المحلي الذي وقع في 22 مايو؟
أجيال لم تعش تلك اللحظات التاريخية، لكنها تعيش نتائجها المؤلمة:
أبناء يبحثون عن دولة تعترف بهم، عن هوية تحترم، وعن وطن لا يدار من فوق رؤوسهم.
جيل يدرك أن التحرر الحقيقي لا يقاس بتاريخ مكتوب، بل بواقع ملموس يشعر فيه الإنسان بأنه سيد أرضه.
30 نوفمبر… ذاكرة لا تموت:
هذه الذكرى ليست مجرد احتفال، بل تذكير دائم بأن الحرية تنتزع ولا تمنح، وأن الشعوب التي استطاعت أن تكسر قيود الاستعمار الأجنبي قادرة على أن تكسر قيود الاستحمار المحلي مهما طال الزمن.
و22 مايو… درس لا ينسى:
درس يعيد صياغة الوعي:
1- الاتفاقات التي تكتب دون ضمانات، تتحول إلى فخاخ.
2- الشراكات غير المتكافئة تتحول إلى احتلال جديد.
3- لوحدة التي تفرض بالقوة… لا يمكن أن تعيش.
خاتمة التقرير:
ما بين 30 نوفمبر و22 مايو مسافة واسعة… مسافة بين كرامة صنعت بالدم و قيد وقع بالقلم.
واليوم، حين يحتفل الجنوب بذكرى استقلاله، لا يحتفل بتاريخ فقط، بل يعيد إحياء إرادة لن تموت، وحق ثابت في استعادة دولته وهويته وقراره.
إن سؤال اليوم ليس مجرد استنكار سياسي، بل صرخة وطنية تقول:
لن نعيد القيود مرة أخرى… فقد تعلمنا الدرس جيدًا.
إعداد:
الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس تحرير صحيفتي “عدن الأمل” و “عرب تايم” ومحرر في عدد من المواقع الاخبارية.
















