في ظل التطورات الدقيقة والمنعطفات التاريخية التي تمر بها قضية شعب الجنوب العربي، وفي وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية والسياسية، برزت إلى السطح فصول جديدة من المؤامرات التي تستهدف النسيج المجتمعي والهوية الوطنية الجنوبية.
لم تقتصر هذه الاستهدافات على العمليات العسكرية الميدانية، كالقصف الغادر الذي استهدف ميناء المكلا، أو حملات التشويه الممنهجة ضد الحلفاء الاستراتيجيين وفي مقدمتهم دولة الإمارات العربية المتحدة، بل تجاوزت ذلك لتصل إلى سلاح “الفتاوى الدينية” التي يتم توظيفها كأداة سياسية بامتياز.
توظيف الدين في الصراع السياسي: جذور الأزمة
تطل علينا بين الحين والآخر فتاوى باطلة صادرة عما تُسمى «هيئة علماء اليمن» وجهات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، تحمل في طياتها تحريضًا صريحًا على التكفير والاقتتال ضد أبناء الجنوب. هذه الفتاوى، التي يجمع مراقبون على أنها لا تمت للدين الإسلامي الحنيف بصلة ولا تستند إلى علم شرعي حقيقي، تكشف عن انحدار خطير في توظيف النصوص الدينية لخدمة أجندات سياسية ملوثة بدماء الصراعات. إن استحضار لغة التكفير في الخلافات السياسية هو أسلوب قديم متجدد تستخدمه القوى الظلامية لشرعنة العنف وإباحة الدماء تحت غطاء “الجهاد” المزعوم.
إن أخطر ما في هذه الفتاوى ليس فقط مضمونها الذي ينم عن تطرف عميق، بل في “التوقيت المدروس” لصدورها. فهي تأتي في لحظة فارقة يحاول فيها الجنوب تحصين جبهته الداخلية، والمضي قدمًا في مسار استعادة حقوقه المشروعة، ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية بروح وطنية مسؤولة. إن إطلاق هذه السهام المسمومة في هذا التوقيت يهدف بالدرجة الأولى إلى خلخلة الصف الجنوبي، وتوفير غطاء ديني للجماعات الإرهابية لتنفيذ عملياتها الإجرامية ضد الكوادر الجنوبية والمنشآت الحيوية.
تداعيات الخطاب التكفيري على النسيج الاجتماعي
الدعوة إلى تكفير الجنوبيين أو التحريض على قتالهم ليست مجرد تصريحات عابرة، بل هي انزلاق أخلاقي وإنساني يهدد بتفكيك المجتمع. تسهم هذه الخطابات بشكل مباشر في تغذية دوامة العنف، وفتح أبواب الفوضى التي لا تخدم سوى القوى المتربصة بالاستقرار. ومن الواضح أن ميليشيا الإخوان الإرهابية ومن يدور في فلكها، قد اعتادت تاريخيًا على استخدام الدين كدرع لحماية مصالحها السياسية، وتحويل المعارك الوطنية من أجل الحرية والكرامة إلى “معارك دينية زائفة” تهدف من خلالها إلى إقصاء الآخر وتخوينه.
هذه الممارسات المشبوهة تصب في مصلحة قوى الشر والإرهاب التي تتمادى في صناعة التطرف، وتمنح خصوم الاستقرار الذريعة لتأجيج الصراعات وإدامتها لأطول فترة ممكنة. فالفكر المتطرف يبحث دائمًا عن “شرعية دينية” ليبرر بها جرائمه، وهو ما توفره هذه الهيئات المسيسة التي باعت علمها بمصالح حزبية ضيقة، متجاهلةً حرمة الدماء وعظمة الرسالة الدينية التي تدعو للسلام والبناء لا للقتل والدمار.
الجنوب العربي: صمود في وجه الإرهاب والفكر المنحرف
يرفض الجنوب العربي، الذي خاض ولا يزال يخوض معارك حقيقية ومصيرية ضد الإرهاب والتنظيمات المتطرفة (مثل القاعدة وداعش)، هذه الفتاوى المسمومة بشكل قاطع. ويؤكد الجنوبيون، قيادةً وشعبًا، أن قضيتهم هي قضية شعب ودولة، تسعى لاستعادة حقوقها المشروعة بوسائل سياسية وقانونية ووطنية واضحة، بعيدة كل البعد عن مفاهيم التكفير أو استباحة الدماء. إن الوعي الجمعي في الجنوب بات اليوم أقوى من أي وقت مضى، حيث يدرك المواطن الجنوبي أن هذه الخطابات التحريضية ليست سوى محاولات يائسة لضرب الوحدة الوطنية وتشويه عدالة القضية الجنوبية أمام المجتمع الدولي.
علاوة على ذلك، فإن الهجمات الإعلامية التي تستهدف دولة الإمارات العربية المتحدة تأتي في سياق محاولة فك الارتباط بين الجنوب وحلفائه الذين كان لهم الدور الأبرز في مكافحة الإرهاب وتطهير المحافظات الجنوبية من عناصر التنظيمات المتطرفة. إن هذا الاستهداف المزدوج (للداخل الجنوبي وللحليف الإماراتي) يؤكد وحدة المصير بين قوى الإرهاب السياسي (الإخوان) وقوى الإرهاب الميداني، اللذين يلتقيان عند هدف واحد: منع استقرار الجنوب وعرقلة مسيرته نحو البناء والتنمية.
المسؤولية التاريخية للنخب الدينية والاجتماعية
أمام هذا الانحراف الخطير، تتضاعف المسؤولية الملقاة على عاتق النخب الدينية المعتدلة والمراجع الاجتماعية والقبلية. يتطلب الأمر موقفًا حازمًا وواضحًا يرفض تسييس الدين، ويعمل على تجنيب المجتمعات ويلات خطاب الكراهية. إن الصمت تجاه هذه الفتاوى قد يُفهم كنوع من القبول الضمني، وهو ما يحتم على كافة الأقلام الحرة والمنصات الإعلامية كشف زيف هذه الادعاءات وتفنيد المرتكزات الواهية التي تقوم عليها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وعيًا وطنيًا عاليًا، وتمسكًا راسخًا بقيم التعايش المشترك، ورفضًا قاطعًا لكل محاولات استخدام الدين كسلاح في الصراع السياسي. يجب أن يكون هناك تحرك قانوني وحقوقي على المستوى الإقليمي والدولي لتصنيف هذه الهيئات والمؤسسات التي تفرخ الفتاوى التكفيرية كجهات محرضة على الإرهاب، لما تشكله من خطر حقيقي على السلم والأمن الدوليين.
حتمية الانتصار للحق
في الختام، إن هذه الفتاوى المشبوهة لا تزيد شعب الجنوب إلا إصرارًا على المضي في طريقه الصحيح. إنها توثق بشكل لا يدع مجالًا للشك حجم الإرهاب الفكري الذي يمارسه تنظيم الإخوان الإرهابي، ومدى الاستهداف الممنهج ضد الجنوب من قِبل هذا “الفصيل الشيطاني” الذي لا يتورع عن فعل أي شيء في سبيل البقاء في السلطة أو العودة إليها، ولو كان ذلك على حساب جثث الأبرياء وتمزيق الأوطان.
إن التاريخ سيسجل أن الجنوب العربي وقف صامدًا في وجه أقوى موجات التطرف، وأنه استطاع بوعي أبنائه وبسالة قواته المسلحة أن يهزم الإرهاب في الميدان، وسيهزم بالتأكيد هذه الفتاوى المسمومة في ميدان الفكر والوعي، لتظل قضية الجنوب قضية عادلة، سامية، ومنتصرة بإذن الله.
انضموا لقناة عرب تايم الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا















