يُعتبر نوري كامل محمد حسن أبو المحاسن المالكي، المولود في 20 حزيران 1950، واحدًا من أبرز الوجوه السياسية التي حكمت العراق في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين، ويشغل حاليًا منصب الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية،
وقد ارتبط اسمه بشكل وثيق بمنصب رئيس مجلس الوزراء العراقي الذي شغله لدورتين متتاليتين من عام 2006 وحتى 2014، المالكي الذي ينحدر من عائلة أدبية وسياسية مرموقة،
حيث كان جده “أبو المحاسن” أحد قادة ثورة العشرين، صقلت سنوات النضال السري في السبعينيات شخصيته السياسية، ففر من العراق هربًا من حكم الإعدام الذي طارد أعضاء حزب الدعوة، ليعيش سنوات طويلة من المنفى بين سوريا وإيران، عاد بعدها إلى وطنه في نيسان 2003 عقب الغزو الأمريكي، ليبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة العراقية والمشاركة في صياغة دستورها الدائم.
المسيرة من المنفى إلى قمة الهرم السلطوي في بغداد
بدأت رحلة المالكي مع السلطة الفعلية بعد عودته من الهجرة التي دامت 25 عامًا، حيث اختير عضوًا مناوبًا في مجلس الحكم العراقي، ثم نائبًا لرئيس المجلس الوطني المؤقت، وبرز دوره بشكل أكبر كمتحدث رسمي باسم ائتلاف الدولة القانون، ليتولى في أيار 2006 رئاسة أول حكومة دائمية منتخبة، واجه المالكي في بدايات ولايته تدهورًا أمنيًا خطيرًا وقتالًا طائفيًا شرسًا، مما دفعه لإطلاق خطة “فرض القانون” التي تضمنت عمليات عسكرية واسعة مثل “صولة الفرسان” لفرض سيادة الدولة وتفكيك التنظيمات المسلحة
كما شهدت فترة حكمه التوقيع على اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية من العراق بنهاية عام 2011، وهو الإنجاز الذي صوره المالكي كاستعادة كاملة للسيادة الوطنية، رغم الانتقادات الواسعة التي طالت إدارته للملف الأمني لاحقًا وتوسع نفوذ تنظيم “داعش”.
عودة نوري المالكي للواجهة السياسية وترشحه لرئاسة الوزراء 2026
في تطور دراماتيكي للمشهد السياسي العراقي مطلع عام 2026، عاد نوري المالكي ليتصدر واجهة الأحداث من جديد كمرشح قوي لرئاسة الوزراء، فبعد إعلان نتائج انتخابات تشرين الثاني 2025، والتي حصل فيها ائتلافه على 29 مقعدًا خلف محمد شياع السوداني الذي حصد 46 مقعدًا، جرت مفاوضات معقدة داخل “الإطار التنسيقي”،
وفي 11 كانون الثاني 2026، أعلن السوداني تنازله عن استحقاقه لتشكيل الحكومة لصالح نوري المالكي، مشترطًا أن يحظى هذا الترشيح بموافقة المرجعية الدينية والتيار الصدري، وبحلول 24 كانون الثاني 2026، أعلن الإطار التنسيقي رسميًا ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، مما أثار موجة من التكهنات حول قدرته على إدارة التوازنات السياسية الحساسة في ظل الخلافات التاريخية مع مقتدى الصدر والقوى الكردية، خاصة مسعود بارزاني.
التحديات الجيوسياسية والعلاقات مع دول الجوار والولايات المتحدة
اتسمت علاقات المالكي الخارجية بالتعقيد والتوتر أحيانًا، فبينما حافظ على علاقات قوية مع الجانب الإيراني، واجه فتورًا كبيرًا وصريحًا من الجانب السعودي، حيث كشفت تسريبات دبلوماسية عن عدم ثقة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في المالكي واصفًا إياه بـ “العميل الإيراني”، أما علاقته مع الولايات المتحدة، فقد مرت بمراحل متباينة،
فبعد التنسيق في بدايات حكمه، تحول لمهاجمة السياسة الأمريكية في أواخر عام 2014، متهمًا إياها باستغلال تنظيم “داعش” كذريعة للبقاء العسكري في المنطقة، ويرى مراقبون أن تقلبات هذه العلاقات كانت تعكس صراعًا داخليًا بين الرغبة في التحرر من الوصاية الأجنبية والحاجة للدعم العسكري والتقني لمواجهة الأزمات الداخلية التي عصفت بالعراق خلال فترات حكمه الطويلة.
الملفات المثيرة للجدل: الفساد، التسريبات الصوتية، والمواقف الدينية
لم تكن مسيرة المالكي خالية من الأزمات الكبرى، حيث طالته اتهامات واسعة بالفساد واختفاء مليارات الدولارات من الخزينة العامة خلال ثماني سنوات من حكمه، وبلغت الأزمة ذروتها في منتصف عام 2022 بظهور “التسريبات الصوتية” المنسوبة إليه، والتي تضمنت هجومًا لاذعًا على قوى سياسية ومكونات طائفية عراقية،
مما وصفه المحللون بأنه قاصم لطموحاته السياسية آنذاك، وعلى الصعيد الديني، واجه المالكي انتقادات من هيئة علماء المسلمين بسبب تصريحات اعتبرت طائفية وتسيء لرموز تاريخية، رغم محاولاته في أوقات أخرى النأي بنفسه عن الإساءة للصحابة وأمهات المؤمنين عبر بيانات رسمية، تظل هذه التناقضات جزءًا من الصورة المعقدة لشخصية المالكي التي تجمع بين التكنوقراطية الحزبية والولاءات العقائدية الراسخة.
الرؤية المستقبلية ودور المالكي في “الإطار التنسيقي” العراقي
بحلول كانون الثاني 2026، يبدو أن نوري المالكي لا يزال الرقم الصعب في المعادلة الشيعية العراقية، فقدرته على الصمود سياسيًا بعد محاولات إلغاء منصب نواب رئيس الجمهورية في 2015،
وعودته اليوم كمرشح لرئاسة الوزراء، تؤكد على قوة تنظيمه الحزبي وتحالفاته داخل “الإطار التنسيقي”، يراهن المالكي في ولايته الجديدة المرتقبة على فرض الأمن المركزي بقوة السلاح وإعادة هيبة الدولة، وهي الرؤية التي تثير مخاوف خصومه من عودة “الدكتاتورية الناعمة” أو تهميش المكونات الأخرى، يبقى التساؤل قائمًا حول قدرة “مختار العصر” على تقديم نموذج حكم مختلف في 2026 يتجاوز أخطاء الماضي ويحقق الاستقرار المنشود لشعب العراق الذي عانى طويلًا من الصراعات السياسية والفساد الإداري.















