الإثنين – 26 يناير 2026 – الساعة 03:44 م بتوقيت عدن ،،،
عرب تايم / أبو ليث الحُميدي
ليست المعركة اليوم مع الحقائب الوزارية، ولا مع الأسماء التي توزع على الوزارات، بل مع القرار والسيادة والهوية. فوجود وزير جنوبي على كرسي السلطة لا يعني بالضرورة وجود مشروع جنوبي، ما دام القرار السياسي مرتهناً لمنظومة خارجية أو داخلية لا تعترف بحق الجنوب في تقرير مصيره، ولا تعمل على استعادة دولته.
الشهداء لم يسقطوا، والجرحى لم ينزفوا، ليصبح الجنوب مجرد “حصة تمثيلية” داخل سلطة لا تعرف من قضيتنا إلا الاسم. الشعب لم يخرج إلى الساحات لأجل المناصب، ولم يهتف في الميادين لأجل وزارات، بل خرج حاملاً قضية وهوية وحقاً تاريخياً. والقوات المسلحة الجنوبية، حين سطّرت البطولات وقدّمت الشهداء، لم تقاتل لتفتح الطريق أمام وزراء يجلسون على الكرسي، بل قاتلت لتثبيت الأرض، وحماية الهوية، وتأمين الحق في تقرير المصير.
إن تحويل النضال والتضحيات إلى مقاعد وزارية بلا مشروع جنوبي واضح، هو اختزال قاسٍ لمعنى النضال، وتبديد لدماء سقطت على الأرض من أجل وطن حقيقي. الوزارات التي لا تحمل قراراً جنوبياً حقيقياً، والتي لا تعمل وفق اتجاه جنوبي ووطني واضح، تبقى مجرد واجهة شكلية لا تغيّر من واقع التبعية شيئاً.
الرئيس القائد/ عيدروس الزُبيدي يمثل الصورة الحقيقية للقيادة الوطنية الجنوبية. لم يترك منصبه في إطار الشرعية عبثاً، ولم يخض مواجهة مع المملكة أو أي قوة أخرى من أجل مكاسب شخصية، بل لأنه يرى أن استعادة الدولة الجنوبية وتمكين شعب الجنوب من تقرير مصيره هو الهدف الأسمى. القيادات الجنوبية العليا تركت مناصبها في الشرعية، وتخلو من المناصب والمكاسب، من أجل أن يكون هدفها الوحيد استعادة الدولة وتحقيق السيادة للشعب الجنوبي.
خطوات الرئيس/ عيدروس الزُبيدي لم تكن انعطافاً سياسياً، ولا مناورة تكتيكية، بل تعبيراً عن التزام بالقضية فوق كل اعتبار شخصي أو وظيفي. حين يصل التناقض بين الكرسي والمشروع، يصبح الانحياز للقضية امتحاناً حقيقياً للقيادة، والموقف الصادق لا يُقاس بالظهور الإعلامي أو المناصب، بل بالقدرة على الثبات على المبادئ رغم كل الضغوط والتحديات.
المعادلة واضحة بين من يقاتل لأجل وطن، وبين من يقاتل أو يساوم لأجل منصب. الدماء التي أريقت، والتضحيات التي قُدمت، لم تكن ثمن حقائب وزارية، بل كانت ثمن سيادة وحرية واستقلال الجنوب. الفرق بين الوظيفة والقضية ليس مسألة شكلية؛ الوظيفة تُدار، أما القضية فتُقاتل من أجلها الشعوب، وتحميها القيادة التي تعرف معنى الدم والوفاء والتاريخ.
أي إنجاز سياسي يُقاس بعدد الحقائب، ويُخضع القرار لمراكز نفوذ خارج الجنوب، هو وهم سياسي بامتياز. المناصب التي تُمنح بلا اتجاه واضح، أو تُدار تحت نفوذ خارجي، لا قيمة لها أمام دماء الشهداء، ولا أمام إرادة شعب يريد أن يكون صاحب قراره.
الشعب الجنوبي يتطلع اليوم إلى قرار جنوبي حقيقي، وإلى قيادة تمثل مشروعه، لا مجرد أسماء تملأ مقاعد وزارية. التاريخ لن يحفظ من جلس على الكرسي، بل من ساهم في استعادة الدولة، وحمى الأرض، وحفظ كرامة شعبه.
إن تحرير الجنوب لم يتحقق بالسلم، ولم يُصان بالوظائف، بل بالدماء، والتضحيات، والوحدة، والقرار الصلب، والوفاء للشهداء. والقوة الحقيقية للجنوب ليست في مناصبه، بل في الوحدة، والسيادة، والالتزام بمشروعه الوطني الكامل.
من يريد أن يختزل قضية الجنوب في تمثيل شكلي أو في أرقام على لوائح الوزارات، عليه أن يعرف أن التاريخ لا يرحم من باع مشروع شعبه مقابل كرسي أو لقب، وأن الدماء التي أريقت ستظل شاهدة على من استمر في المسار ومن انحرف عنه.
المطلوب اليوم هو أن تبقى الأولوية للقضية قبل الوظيفة، للمشروع قبل الشكل، وللسيادة قبل التمثيل الرمزي. الجنوب صاحب القرار، لا رقم في معادلة سياسية. القضية أعظم من المناصب، ودماء الشهداء أقدس من أن تُستبدل بحقيبة وزارية.
وعلى كل قيادي جنوبي، وكل مواطن يهمه مستقبل وطنه، أن يعي أن المعركة الحقيقية ليست مع من يجلس على الكرسي، بل مع كل نفوذ يريد أن يقلص قرار الجنوب ويحول تضحيات شعبه إلى واجهة شكلية. فالكرسي يمكن أن يُمنح ويُنتزع، لكن القضية والهوية والدماء والشرف لا تُباع ولا تُختزل، وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يتعامل مع قضية الجنوب، الجنوب لن يكون يوماً مجرد رقم، وسيبقى صاحب قراره مهما كلف الثمن.














