فمنذ استقلال الجنوب عن بريطانيا عام 1967، تحولت الرياض من داعم خفي للملكيين ضد الجمهوريين في الشمال، إلى لاعب أساسي يغذي الصراعات ويحاول بشتى الطرق فرض الوصاية على الجنوب. د
لم تكن القضية مجرد خلافات سياسية أو تباينات في المواقف بل كانت صراعات حدودية وأطماع توسعية عملت على ابتلاع مساحات شاسعة من الأراضي الجنوبية في ظل صراع وجودي بين نظام ملكي محافظ مدعوم من العالم الغربي يرى في الجنوب بتركيبته الأيديولوجية المنفتحة آنذاك، تهديدًا مباشرًا.
هذا التقرير لا يسرد الأحداث فحسب، بل يغوص في جذور الأطماع السعودية، كاشفًا كيف تحول الجنوب العربي من أرض ذات سيادة إلى ساحة لتصفية الحسابات ومشروع استراتيجي لنهب الثروات وتأمين ممرات النفط.
*حروب الرمال الدامية
إن أول فصول المواجهة المباشرة لم يتأخر كثيرًا.ففي نوفمبر 1969، شنت القوات السعودية هجومًا عسكريًا واسعًا لاحتلال مركز الوديعة الحدودي الذي كان جزءًا لا يتجزأ من أراضي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
لم يكن الهجوم وليد اللحظة، بل كان تتويجًا لسياسة توسعية سعودية صامتة في الربع الخالي، وهي منطقة لم تكن مرسّمة بوضوح في اتفاقية الطائف مع اليمن الشمالي.
بحسب الرواية السعودية، كان الهجوم ردًا على توغل قوات من اليمن الجنوبي لكن الحقيقة أن ما جرى ليس سوى عدوانًا مبيتًا وأطماعاً للاستيلاء على منطقة استراتيجية غنية بالنفط.
رغم المقاومة الشرسة التي أبدتها القوات الجنوبية بإمكانياتها المحدودة آنذاك، إلا أن التفوق الجوي السعودي، الذي استعان بطيارين باكستانيين، حسم المعركة لصالح الرياض التي سيطرت على الوديعة وشرورة ومساحات شاسعة من الصحراء الجنوبية.
لم تكن “حرب الوديعة” مجرد نزاع حدودي، بل كانت رسالة واضحة بأن السعودية لن تتسامح مع أي كيان جنوبي مستقل وقوي على حدودها، وأنها مستعدة لاستخدام القوة لفرض واقع جديد يخدم مصالحها ويضيف إلى خارطتها مزيد من الأراضي المغتصبة والثروة المنهوبة
*اتفاقية جدة 2000
شرعنة الاحتلال
بعد حرب 1994 وانهيار دولة الجنوب، وجدت السعودية فرصة ذهبية لتحقيق ما عجزت عنه بالقوة العسكرية الكاملة.
ففي ظل نظام يمني موحد وضعيف ومنهك، تمكنت الرياض من فرض اتفاقية جدة لترسيم الحدود عام 2000 .
هذه الاتفاقية، التي يعتبرها الكثير من الجنوبيين “خيانة تاريخية”، لم تكتفِ بتثبيت سيطرة السعودية على الأراضي التي احتلتها في حرب 1969، بل منحتها شرعية دولية على مناطق واسعة كانت محل نزاع وللجنوب حق تاريخي فيها.
تم تمرير الاتفاق دون أي تمثيل حقيقي لأبناء الجنوب، أصحاب الأرض الأصليين، ليتحول الأمر الواقع الذي فرضته القوة إلى حقيقة قانونية.
كانت هذه الصفقة بمثابة مقايضة واضحة: اعتراف صنعاء بالحدود السعودية مقابل الدعم المالي والسياسي الذي يضمن بقاء النظام. وهكذا، دُفنت حقوق شعب بأكمله تحت بنود اتفاقية كُتبت لخدمة مصالح الرياض ونظام صنعاء على حد سواء.
*عاصفة الحزم
عندما انطلق التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015، كان الهدف المعلن هو “استعادة الشرعية” وإنهاء انقلاب الحوثيين. لكن على الأرض، تكشفت أجندة أخرى موازية، تمثلت في إعادة تشكيل الخارطة السياسية والعسكرية في الجنوب المحرر بما يضمن الهيمنة السعودية المطلقة.
عملت الرياض بشكل منهجي على تقويض أي قوة جنوبية موحدة قد تشكل نواة لدولة مستقلة في المستقبل.
ومع بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كممثل سياسي وعسكري للقضية الجنوبية، تحول إلى “كابوس” يهدد المشاريع السعودية.
وبدلاً من دعمه كحليف رئيسي في الحرب ضد الحوثيين، عملت الرياض على إضعافه عبر دعم كيانات موازية، وفرض قيود سياسية واقتصادية على المناطق المحررة، ومنع تمدد نفوذ قواته نحو مناطق الثروة في حضرموت وشبوة.
*مشروع أنبوب النفط: حلم استراتيجي يكشف المستور
يكمن المفتاح لفهم الإصرار السعودي على إبقاء الجنوب ضعيفًا ومفتتًا في مشروع استراتيجي قديم متجدد:مد أنبوب نفط من حقول السعودية ليصل إلى بحر العرب عبر حضرموت أو المهرة وهذا المشروع سيوفر للرياض ممرًا حيويًا لتصدير نفطها بعيدًا عن مضيق هرمز الخاضع للتهديدات الإيرانية.
لتحقيق هذا الحلم، تحتاج السعودية إلى السيطرة الكاملة على هذه المحافظات الجنوبية، وهو ما يفسر التواجد العسكري السعودي المكثف هناك ومحاولات إنشاء قوات محلية موالية لها، والرفض القاطع لأي سيطرة كاملة للمجلس الانتقالي الجنوبي على تلك المناطق.
إن كل التحركات السياسية والعسكرية السعودية في الجنوب، بما في ذلك الضغط لاستهداف قيادات جنوبية بارزة، يمكن تفسيرها في ضوء هذا الهدف الاستراتيجي الذي يضع أمن الطاقة السعودي فوق حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم.
*حرب ناعمة لتفكيك الهوية الجنوبية
لم تقتصر الاستراتيجية السعودية على المواجهة العسكرية المباشرة أو المناورات السياسية فحسب، بل امتدت لتشمل حربًا ناعمة متعددة الأوجه، هدفها تفكيك الهوية الوطنية الجنوبية من الداخل وإعادة تشكيل المجتمع بما يخدم أجندتها طويلة الأمد.
لقد أدركت الرياض أن السيطرة على الأرض لا تكتمل دون السيطرة على العقول والولاءات. وتُعد استراتيجية الاحتواء المالي وشراء الولاءات حجر الزاوية في هذه السياسة.
منذ عقود، عملت الرياض على استقطاب الشخصيات الجنوبية المؤثرة، من شيوخ قبائل وقادة عسكريين وسياسيين، عبر شبكة معقدة من المصالح المالية.
منحت الجنسية السعودية لعدد كبير من هؤلاء، مما يربط مصيرهم ومستقبلهم بشكل مباشر بالرياض، ويخلق حالة من الارتهان يصبح فيها الولاء للمملكة مقدمًا على الولاء للوطن الأم. كما استُخدم الدعم المالي المباشر والمشاريع “الخيرية” كأداة لخلق شبكات نفوذ داخلية، لا تعمل فقط على الترويج للسياسات السعودية، بل تلعب دورًا فعالًا في إفشال أي مشروع وطني جنوبي لا يحظى بمباركة الرياض، عبر خلق انقسامات داخلية وتأجيج الصراعات بين المكونات الجنوبية.
إلى جانب ذلك، أدركت السعودية مبكرًا قوة الإعلام في تشكيل الرأي العام، فسخّرت آلتها الإعلامية الضخمة لخدمة أهدافها في الجنوب.
تركزت هذه الحرب الإعلامية على شيطنة القضية الجنوبية حيث تم تصوير المطالب بالاستقلال على أنها دعوات “انفصالية” تهدد الأمن الإقليمي، وكثيرًا ما تم ربط الحراك الجنوبي بأجندات خارجية معادية لتجريده امن شرعيته الوطنية.
كما تعرضت قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي لحملات تشويه ممنهجة تهدف إلى تصويرهم كأدوات لدول أخرى أو كشخصيات غير قادرة على القيادة.
في المقابل، عمل الإعلام السعودي على تقديم الشخصيات الجنوبية الموالية للرياض كـ”قادة حكماء” و”بدائل وطنية”، في محاولة لخلق قيادات مصطنعة يمكن التحكم بها. وقد استُخدمت منصات التواصل الاجتماعي بشكل مكثف عبر ما يُعرف بـ”الجيوش الإلكترونية” لنشر الشائعات وبث الفرقة بين الجنوبيين، ومهاجمة أي صوت ينتقد السياسة السعودية، مما يخلق بيئة رقمية سامة تهدف إلى إحباط الشارع الجنوبي.
*الأبعاد الاقتصادية الخفية
يتجاوز الهوس السعودي بالجنوب بكثير مجرد الرغبة في تأمين ممر لأنبوب النفط؛ إنه طمع استراتيجي يهدف إلى السيطرة الشاملة على مقدرات الجنوب الاقتصادية الحالية والمستقبلية. فموانئ الجنوب، مثل عدن والمكلا ونشطون، لا تمثل فقط بوابات تجارية حيوية، بل هي نقاط ارتكاز جيواستراتيجية على أهم الممرات الملاحية في العالم.
تدرك السعودية أن السيطرة على هذه الموانئ تمنحها نفوذًا هائلاً على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة، وتوفر لها عمقًا بحريًا في المحيط الهندي. لذلك، كان التواجد العسكري السعودي في المهرة ومساعي السيطرة على ميناء نشطون جزءًا من استراتيجية أوسع لضمان ألا يمتلك الجنوب المستقل سيادة كاملة على موانئه.
بالإضافة إلى ذلك، تزخر أراضي الجنوب بثروات معدنية ضخمة وثروة سمكية هائلة وإبقاء الجنوب في حالة من الفوضى والضعف يضمن للسعودية أن تظل هذه الثروات مجمدة أو عرضة للاستغلال عبر وكلاء مرتبطين بها، بدلاً من أن تكون أساسًا لاقتصاد دولة جنوبية قوية.
لتحقيق ذلك، استخدمت الرياض سلاح الاقتصاد بفعالية لتجويع الجنوب وإخضاعه. تم ذلك عبر التأثير على قرارات البنك المركزي اليمني بما يخدم مصالحها، مما أدى إلى انهيار كارثي لقيمة العملة وارتفاع جنوني في الأسعار. كما تحكمت في تدفق المساعدات الإنسانية والمنح الدولية، ووجهتها لخدمة شبكات نفوذها، بينما خلقت بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة عمدًا لتنفير أي استثمارات خارجية جادة يمكن أن تساهم في بناء اقتصاد حقيقي في الجنوب.
*المناورات السياسية الهندسة العكسية
يُعد اتفاق الرياض، الذي تم توقيعه في نوفمبر 2019، مثالاً صارخًا على المناورة السياسية السعودية ومخططاتها الاسترايجية لإشغال الجنوب عن السير في طريق الاستقلال.
فبينما تم تقديمه للعالم على أنه إنجاز دبلوماسي، كان في جوهره أداة “هندسة عكسية” مصممة لتقويض مكاسب الجنوب وتجريده من أهم أوراقه: القوة العسكرية والسيادة على الأرض.
نجح الاتفاق في تحقيق عدة أهداف سعودية استراتيجية، حيث ألزم القوات الجنوبية بالانسحاب من مواقعها الرئيسية وإعادة انتشارها في جبهات القتال، قبل أن تمول السعودية وتتبنى عملية الهجوم على شبوة وأبين ومحاولة إسقاط العاصمة عدن في 2019 والذي انتهى بدحر القوات اليمنية وتحرير شبوة وأبين بتكلفة جنوبية باهظة من الأرواح
علاوة على ذلك، تم تقييد المجلس الانتقالي سياسيًا عبر إدخاله في حكومة “شرعية” ضعيفة ومخترقة، لا تملك أي سيادة حقيقية وتخضع لسيطرة الرياض. هذا الأمر حوّل المجلس من قوة ثورية على الأرض إلى مجرد مشارك في حكومة فاشلة، مما أفقده الكثير من زخم الشارع وأثقل كاهله بمسؤولية الفشل الحكومي. والأهم من ذلك، أنه من خلال رعايتها للاتفاق، نصّبت السعودية نفسها حكمًا ووصيًا على الأطراف اليمنية، مما منحها غطاءً “شرعيًا” للتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الجنوب، من التعيينات العسكرية والمدنية إلى إدارة الموارد. لقد كان اتفاق الرياض فخًا سياسيًا متقنًا، حوّل انتصار الجنوب العسكري في عدن عام 2019 إلى مأزق سياسي معقد، وأعاد ترتيب الأوراق بما يضمن بقاء الكلمة العليا للرياض.
يقف الجنوب العربي اليوم في مواجهة تاريخه ومستقبله. فمن ناحية، هناك إرادة شعبية متنامية لاستعادة الدولة والهوية. ومن ناحية أخرى، هناك مشروع إقليمي تقوده السعودية يهدف إلى إدامة حالة الانقسام والضعف لضمان مصالحها الاستراتيجية.
أثبت التاريخ أن الحقوق لا تموت بالتقادم، وأن إرادة الشعوب في الحرية لا يمكن قمعها إلى الأبد.
















