تُعد السيدة هبة هلال السويدي نموذجًا استثنائيًا للمرأة المصرية التي استطاعت تحويل التعاطف الإنساني إلى مؤسسات تنموية مستدامة تخدم آلاف المحتاجين، فمنذ انطلاقتها في عالم التطوع قبل سنوات طويلة، نجحت السويدي في حفر اسمها بأحرف من نور في سجلات العمل الأهلي، حيث وفرت الرعاية الطبية الفائقة لأكثر من أربعة آلاف مصاب، بل وتجاوزت بجهودها حدود تقديم الإسعافات الأولية لتتكفل بنقل الحالات الحرجة للعلاج في الخارج على نفقتها الخاصة، وهو ما جعل الشارع المصري يمنحها لقب “أم الثوار” تقديرًا لدورها البطولي في رعاية مصابي الأحداث السياسية، ولم يقتصر اهتمامها على الداخل المصري فقط، بل امتدت يدها البيضاء لتشمل مصابي الثورة الليبية وأسر الشهداء، مؤكدة أن الإنسانية لا تعرف حدودًا جغرافية وأن جراح المظلومين في كل مكان تستحق التضميد والرعاية والاهتمام.
النشأة والدراسة: جذور مصرية سعودية صاغت شخصية قيادية
ولدت هبة السويدي في 22 سبتمبر عام 1973، في بيئة ثنائية الثقافة حيث ولدت لأم سعودية وأب مصري هو رجل الأعمال هلال السويدي، وقد قضت سنوات طفولتها ونشأتها في المملكة العربية السعودية، مما منحها منظورًا واسعًا للحياة والتعامل مع الثقافات المختلفة، وانتقلت لاحقًا للعيش في مصر بعد زواجها من ابن عمها أحمد عبد الكريم السويدي، وهي الخطوة التي شكلت نقطة تحول كبرى في مسار حياتها، تخرجت هبة من جامعة الملك عبد العزيز عام 1995، وبالرغم من خلفيتها العائلية المرتبطة بعالم المال والأعمال، إلا أنها اختارت مسارًا مغايرًا تمامًا، حيث تؤكد دائمًا في تصريحاتها أنها توقفت عن ممارسة الأعمال التجارية منذ قرابة 18 عامًا لتتفرغ بشكل كامل للعمل الخيري، نافية ما يتردد عنها بأنها تمارس مهنة الطب، بل هي مديرة ومدبرة وناشطة تفرغت لخدمة قضايا المجتمع.
مؤسسة “أهل مصر” وحلم القضاء على آلام ضحايا الحروق
في عام 2013، اتخذت هبة السويدي خطوة مؤسسية جادة بتأسيس جمعية “أهل مصر”، وهي مؤسسة تنموية غير هادفة للربح تهدف إلى تقديم تصور جديد لمفهوم العمل الخيري في مصر، وركزت المؤسسة بشكل أساسي على قطاع الصحة، وبالأخص علاج ووقاية ضحايا إصابات الحروق، وهي الفئة التي عانت طويلًا من التهميش ونقص الإمكانيات الطبية المتخصصة، وتؤمن السويدي أن إصابات الحروق ليست مجرد حادث طبي عابر، بل هي قضية تتداخل فيها الأبعاد السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، فمعظم الضحايا ينتمون لطبقات فقيرة تفتقر لأبسط مقومات السلامة في منازلهم، ومن هنا جاءت رؤية “أهل مصر” لاعتبارهم ضحايا للمجتمع والظروف المعيشية، مما يستوجب توفير رعاية شاملة تضمن إعادة دمجهم في المجتمع مرة أخرى بعد رحلة العلاج الطويلة والشرسة.
تمكين المرأة المعيلة عبر برنامج “ستات مصر” الرائد
لم تتوقف جهود هبة السويدي عند الرعاية الطبية فحسب، بل أدركت أن التمكين الاقتصادي هو السبيل الوحيد لضمان حياة كريمة للأسر الأكثر احتياجًا، ومن هذا المنطلق، أسست برنامج “ستات مصر” الذي يندرج تحت لواء مؤسسة أهل مصر، ويهدف هذا البرنامج إلى توفير فرص عمل حقيقية للسيدات المعيلات من خلال تدريبهن على الحرف اليدوية والصناعات الصغيرة، والمساعدة في تسويق منتجاتهن، وقد أحدث هذا البرنامج طفرة نوعية في حياة مئات السيدات، حيث نجح في إخراجهن من حالة الانكسار والاحتياج إلى حالة الشعور بالقيمة والاعتزاز بالذات، حين أصبحت المرأة قادرة على الربح من عمل يديها وتوفير احتياجات أطفالها، مما يعزز من تماسك المجتمع وقوته من الداخل عبر تمكين نواته الأساسية وهي المرأة.
الدور الميداني في الأزمات ومبادرات علاج المصابين بالخارج
اشتهرت هبة السويدي بشجاعتها الميدانية، حيث أشرفت بنفسها على المستشفيات الميدانية في قلب ميدان التحرير خلال أحداث يناير 2011، وكانت تعمل ليل نهار لتأمين المستلزمات الطبية وإنقاذ الأرواح، هذا الالتزام الميداني جعلها قريبة من آلام الناس، وهو ما دفعها للتكفل بعلاج 40 مصابًا من الثورة الليبية في بادرة إنسانية فريدة، كما أطلقت حملات إعلانية وتوعوية ضخمة عبر الإنترنت بمشاركة أكثر من ستين فنانًا وفنانة تبرعوا بأجورهم كاملة، بهدف تسليط الضوء على المعاناة الصامتة لضحايا الحروق في مصر، إن قدرة السويدي على حشد الجهود المجتمعية والفنية والمالية لصالح القضايا الإنسانية جعلت من مؤسسة أهل مصر واحدة من أقوى الكيانات الخيرية في الشرق الأوسط، حيث تسعى دائمًا لكسر حاجز الخوف والنبذ الاجتماعي الذي يواجهه المصابون.
الخلاصة: هبة السويدي أيقونة العطاء في العصر الحديث
إن مسيرة هبة السويدي هي تجسيد حي لقيم العطاء والتضحية التي تميز الشخصية المصرية، فهي الأم لأربعة أبناء (محمود وإسماعيل وخديجة ويحيى) والأم لآلاف المصابين الذين وجدوا فيها السند والملاذ في أصعب لحظات حياتهم، وبفضل إصرارها، أصبح لضحايا الحروق صوتًا مسموعًا ومكانًا يتلقون فيه العلاج بكرامة، إنها لم تبنِ مستشفيات فحسب، بل بنت جسورًا من الأمل والوعي، وغيرت ثقافة المجتمع تجاه الفئات المهمشة، وستظل هبة السويدي دائمًا مصدر إلهام لكل من يسعى لترك بصمة إيجابية في هذا العالم، مؤكدة أن العمل التطوعي المخلص هو أرقى درجات الوجود الإنساني، وأن النجاح الحقيقي يقاس بعدد القلوب التي استطاع المرء أن يجبر كسرها ويعيد إليها بريق الحياة من جديد.
















