في خطوة تعكس رغبة الدولة المصرية في استثمار الخبرات الدولية لتعزيز قوتها الناعمة، أسندت حقيبة وزارة الثقافة إلى الدكتورة جيهان زكي، خلفًا للدكتور أحمد فؤاد هنو، لتنطلق مرحلة جديدة في إدارة الملف الثقافي المصري تستند إلى إرث أكاديمي ودبلوماسي واسع.
وتعد الدكتورة جيهان زكي واحدة من أبرز المتخصصين في علوم المصريات، حيث يجمع مسارها المهني بين العمل البحثي الرصين، والإدارة الثقافية المحترفة، والدبلوماسية الدولية التي صقلتها عبر سنوات من العمل في كبرى المنظمات العالمية والمراكز الثقافية في الخارج. وتأتي هذه الخطوة لتعزز من مكانة الثقافة كأداة للتنمية والربط بين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي، خاصة وأن الوزيرة الجديدة تمتلك رؤية شاملة حول كيفية استغلال التراث المصري في بناء جسور التواصل مع الآخر وتحويل الثقافة إلى عنصر فاعل في الاقتصاد المعرفي.
التكوين العلمي والتميز الأكاديمي في علوم المصريات
ولدت الدكتورة جيهان زكي في القاهرة في يوليو 1966، وبدأت رحلتها مع الشغف بالتاريخ والحضارة من كلية السياحة والفنادق بجامعة حلوان، حيث تخرجت بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 1987.
لم تتوقف طموحاتها عند هذا الحد، بل واصلت دراساتها العليا لتحصل على الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة ليون بفرنسا عام 2000، وكان موضوع بحثها “أسوان والنوبة في العصر اليوناني الروماني”، وهو ما جعلها خبيرة متمرسة في شؤون الجنوب المصري وتراثه.
وبجانب تخصصها الأثري، حرصت على تعزيز مهاراتها الإدارية بالحصول على ماجستير في الإدارة الثقافية من جامعة سيينا الإيطالية تحت عنوان “الدبلوماسية الثقافية والعولمة”، مما مكنها من فهم آليات عمل المؤسسات الدولية وكيفية إدارة الملفات الثقافية في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وتدرجت في السلك الأكاديمي حتى أصبحت أستاذًا لعلوم المصريات عام 2010.
محطات تنفيذية: من حماية التراث إلى إدارة المنظمات الدولية
شغلت الدكتورة جيهان زكي مناصب إدارية وتنفيذية غاية في الأهمية داخل أروقة وزارة الآثار والمجلس الأعلى للآثار، حيث مثلت مصر لدى اليونسكو بباريس لمتابعة ملف التراث الثقافي، كما تولت إدارة شؤون المنظمات الدولية واليونسكو، مما منحها خبرة واسعة في كيفية حماية المواقع الأثرية المسجلة دوليًا.
ومن أبرز الملفات التي أشرفت عليها هو ملف الآثار المستردة، حيث خاضت معارك قانونية ودبلوماسية لاستعادة القطع المنهوبة، بالإضافة إلى إدارتها لصندوق إنقاذ آثار النوبة. هذه الخبرات المتراكمة جعلت منها مستشارًا موثوقًا لمنظمة اليونسكو في القاهرة، حيث ساهمت في التنسيق بين الحكومة المصرية والمنظمة الدولية لضمان الحفاظ على الهوية المعمارية والتراثية للمناطق التاريخية، وهو ما تطلب مهارات تفاوضية عالية وفهمًا عميقًا للبروتوكولات الدولية.
تجربة روما: ريادة نسائية وإنجازات مؤسسية غير مسبوقة
سجل التاريخ للدكتورة جيهان زكي أنها كانت أول امرأة تتولى رئاسة الأكاديمية المصرية للفنون بروما منذ تأسيسها، وذلك بعد نجاحها في مسابقة رسمية معلنة لتكسر احتكارًا دام قرابة قرن من الزمان. وخلال فترة رئاستها للأكاديمية (2012–2019)، استطاعت تحويل هذا الصرح إلى منارة ثقافية حقيقية في قلب إيطاليا، حيث تم إدراج مقر الأكاديمية ضمن المزارات السياحية المتميزة في روما، وسُجل المبنى ضمن الطرز المعمارية الفريدة.
كما نجحت في تنظيم معارض عالمية مثل معرض “توت عنخ آمون واللغز المفقود” الذي جذب آلاف الزوار، وفعلت دور المكتبة لتشمل برامج موجهة للأطفال والشباب، مما جعل الأكاديمية حلقة وصل حية بين المبدعين المصريين ونظرائهم في أوروبا، محققة بذلك أسمى معاني الدبلوماسية الثقافية في فترات سياسية دقيقة.
التقدير الدولي والحضور البرلماني في خدمة الوطن
لم تغب الدكتورة جيهان زكي عن منصات التقدير العالمية، حيث حصدت وسام فارس من الطبقة الوطنية بفرنسا، وتم تكريمها من قبل اليونسكو ضمن 70 امرأة ملهمة حول العالم عام 2015، بالإضافة إلى نيلها “الوردة البرونزية” الإيطالية ووسام “شجرة الإنسانية”.
وبجانب حضورها الدولي، تم تعيينها عضوًا بمجلس النواب المصري عام 2021، حيث ساهمت بخبرتها في صياغة التشريعات المتعلقة بالثقافة والآثار.
وبامتلاكها لإنتاج علمي غني بلغات متعددة (العربية، الفرنسية، الإنجليزية، والإيطالية) ومؤلفات فكرية عرب تايموعة، تدخل جيهان زكي إلى وزارة الثقافة محملة بطموحات كبيرة لتطوير القصور الثقافية، ودعم المبدعين، وتعزيز الوجود المصري في المحافل الدولية، بما يليق بمكانة مصر كدولة رائدة حضاريًا وفكريًا.















