أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية الدولية، بعد وصفه للعملية العسكرية في فنزويلا بأنها تمثل “السيناريو الأمثل” ونموذجًا يحتذى به في كيفية تغيير الأنظمة وتطبيقه على الحالة الإيرانية.
ففي مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، أعرب ترامب عن ثقته في أن النجاح التكتيكي الذي تحقق في كاراكاس يمثل خارطة طريق للتعامل مع طهران، مشيرًا إلى أن بلاده تمتلك خيارات استراتيجية واضحة للتعامل مع فراغ السلطة في إيران بعد الضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت كبار قادة النظام هناك.
ومع ذلك، يرى المحللون العسكريون أن المقارنة بين فنزويلا وإيران تنطوي على تعقيدات استراتيجية كبيرة، نظرًا لاختلاف طبيعة النظامين والقوى المحركة لهما على الأرض. فبينما كانت العملية في فنزويلا محدودة واستهدفت اعتقال نيكولاس مادورو مما دفع نائبتة ديلسي رودريغيز للتعاون، جاءت الضربات في إيران أوسع نطاقًا وأسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي و40 قائدًا عسكريًا رفيعًا، مما أدى إلى موجة انتقامية واسعة النطاق في الشرق الأوسط وتصلب في مواقف القيادة المتبقية التي استبعدت الحوار تمامًا.
وتشير تقارير استخباراتية وتحليلات أكاديمية، مثل ما ذكره البروفيسور فالي نصر، إلى أن النظام الإيراني مصمم بنظام “الدولة العميقة” التي لا تنهار بمجرد غياب رأس الهرم. فالسلطة في طهران موزعة بين الحرس الثوري، ورجال الدين، والبيروقراطيين، وهو ما يجعل استراتيجية “قطع الرأس” غير كافية لتقويض النظام كما حدث في دول أخرى، بل قد تؤدي هذه الضربات إلى صعود قيادات أكثر تطرفًا وراديكالية تسعى لإثبات شرعيتها عبر التصعيد العسكري المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
تحديات الفراغ السياسي
يواجه الطموح الأمريكي في إعادة تشكيل إيران تحديًا كبيرًا يتمثل في غياب بديل محلي قوي أو منصب “نائب تلقائي” مستعد للتعاون مع واشنطن، على عكس ما حدث في التجربة الفنزويلية.
فوفقًا لخبراء في مركز “تشاتام هاوس”، فإن أي شخصية قيادية جديدة ستحتاج إلى مباركة المؤسسة الأمنية والحرس الثوري لضمان البقاء، مما يعني أن المصالح الأيديولوجية للنظام ستظل هي المحرك الأساسي لأي إدارة مستقبلية، بعيدًا عن الرؤية الديمقراطية التي قد تأمل واشنطن في فرضها عبر القوة الجوية.
ومن جانبه، يرى ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية، أن المعضلة الأساسية تكمن في عدم وجود قوة معارضة داخلية مسلحة في إيران توازي قوة المعارضة السورية التي أسقطت نظام الأسد في 2024. فالحرس الثوري وقوات الباسيج لا يزالان يمتلكان زمام المبادرة الميدانية والسيطرة الأمنية المطلقة، وهو ما يجعل من الصعب تحويل النجاح في الغارات الجوية إلى انتصار استراتيجي يؤدي إلى تغيير سياسي حقيقي ومستقر دون وجود قوى برية قادرة على ملء الفراغ.
علاوة على ذلك، تحذر مدرسة العلوم السياسية بجامعة شيكاغو من أن الاعتماد المفرط على الغارات الجوية دون تدخل بري نادرًا ما يؤدي إلى إصلاح ديمقراطي حقيقي، بل غالبًا ما يثير النزعات القومية ويسهل على القادة الباقين حشد السكان ضد “العدوان الخارجي”. إن القنابل الحديثة، رغم دقتها التكتيكية، قد تساهم في إعادة إنتاج أنظمة أكثر عدائية أو تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الدائم التي تستنزف موارد المنطقة وتدفع بالصراع نحو آفاق انتقامية لا تنتهي.
مستقبل الصراع المفتوح
في ظل إصرار ترامب على وجود “ثلاثة خيارات” لمن يحكم إيران مستقبلًا، يبقى المشهد الإقليمي معلقًا بين رغبة واشنطن في الحسم السريع وبين قدرة طهران على امتصاص الصدمات الاستخباراتية. ويتوقع المحللون في شركة “كونترول ريسكس” أن المرحلة الانتقالية الحالية قد تشهد هجمات عشوائية وانتقامية أكثر عنفًا من جانب الحرس الثوري، سعيًا لإثبات قوته وحفاظًا على تماسك أفراده بعد فقدان المرشد، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد لا ينطفئ إلا بنفاد موارد أحد الطرفين.
إن المقارنة بين “النموذج الفنزويلي” والواقع الإيراني تكشف عن فجوة كبيرة في التقديرات السياسية، حيث تظل إيران دولة أيديولوجية ببيروقراطية عسكرية معقدة لا تتأثر بالضغوط التقليدية بنفس السهولة. وبينما يروج ترامب لنجاحاته السابقة، يرى العالم أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط يتجاوز فكرة “تغيير النظام” ليصل إلى صراع وجودي قد يعيد رسم خريطة القوى الدولية، مما يجعل النجاح التكتيكي في تصفية القادة مجرد فصل أول في حرب استنزاف طويلة ومكلفة لجميع الأطراف المعنية.

















