تحت عنوان “من رئيس السلام إلى الغضب الملحمي: طريق دونالد ترامب إلى الحرب”، نشرت صحيفة “الجارديان” البريطانية تحليلًا معمقًا كشفت فيه أن معارضة الرئيس الأمريكي للتدخلات الخارجية لم تكن في الواقع إلا جزئية ومضللة للرأي العام.
وأوضحت الصحيفة أن ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية كقائد واعد بإنهاء “حروب أمريكا الأبدية” التي أطلق شرارتها جورج بوش الابن في أفغانستان والعراق، قد انقلب بشكل جذري على مبادئه المعلنة. فرغم أن حركة “ماجا” (MAGA) التي أسسها قامت في جوهرها على النفور من التدخل الأجنبي، ورغم قضائه معظم عام 2025 في الضغط لنيل جائزة نوبل للسلام، إلا أن الواقع الميداني في عام 2026 رسم صورة مغايرة تمامًا لرئيس وجد في الآلة العسكرية الضخمة وسيلة مثالية لتحقيق طموحاته السياسية.
انقلاب المفاهيم السياسية
وفي غضون أشهر قليلة، تحول “رئيس السلام” إلى أول زعيم أمريكي منذ عهد بوش يقود حربًا تهدف صراحة إلى تغيير نظام ضد خصم إقليمي رئيسي بحجم إيران. ورغم محاولات البيت الأبيض المتكررة لتجاهل المقارنات الحتمية مع حروب المحافظين الجدد أو رفضها بشدة، إلا أن شبح النيران الإقليمية التي أشعلها بوش خيم بظلاله الثقيلة على أحداث الأسابيع الماضية.
وتعتبر “الجارديان” أن التحول من سياسة “الضغط الأقصى” الاقتصادية إلى عملية “الغضب الملحمي” العسكرية لم يكن مفاجئًا للمدققين في سلوك ترامب، الذي أظهر براعة فائقة في استخدام الضجيج العسكري لصرف الانتباه عن المشاكل الداخلية المتفاقمة التي تلاحق إدارته وتؤرق مضجعه السياسي.
دوافع عملية الغضب
يرى المحللون أن العوامل الكامنة وراء هذا التحول الظاهري عديدة ومتشابكة، تبدأ من سهولة إقناع ترامب من قبل الزعماء الأجانب بجدوى القوة الساحقة، وصولًا إلى الزخم الهائل للآلة العسكرية الأمريكية التي لا يمكن إيقافها بمجرد انطلاقها.
وفي الحقيقة، كان الطريق الذي سلكه ترامب نحو الحرب أقصر مما بدا للكثيرين، حيث لم تكن معارضته للحروب إلا “انتقائية”؛ فهو يكره حروب المشاة واسعة النطاق واستنزاف القوات على الأرض، لكنه في المقابل يمتلك شغفًا كبيرًا باستخدام التفوق الجوي الساحق لمعاقبة الأعداء. وقد تجلى هذا الاستعداد سابقًا في اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وقصف المواقع النووية الإيرانية في يونيو الماضي ضمن عملية “مطرقة منتصف الليل”.
أثر عملية فنزويلا
مثّل تاريخ الثالث من يناير 2026 محطة فاصلة في مسار ترامب العسكري، حين نفذت القوات الخاصة الأمريكية عملية استثنائية في فنزويلا، أسفرت عن اختطاف الزعيم نيكولاس مادورو من معقله الحصين دون وقوع أي قتيل أمريكي. هذا النجاح الذي وُصف بأنه “مُعد للتلفزيون” عزز ثقة ترامب في إمكانية حسم الصراعات المعقدة عبر ضربات خاطفة وجراحية. وكان نجاح عملية فنزويلا بمثابة طوق نجاة سياسي، حيث ساعدت في صرف الأنظار عن الضغوط المتزايدة للكشف ملفات “جيفري إبستين” التي ورد اسم ترامب فيها آلاف المرات، مما جعل اللجوء إلى “البطولات الخارجية” خيارًا استراتيجيًا لتشتيت الرأي العام المحلي عن فضائح أخلاقية وقانونية محتملة.
الدور الإسرائيلي المحوري
لم تكن عملية “الغضب الملحمي” وليدة صدفة، بل كانت نتاج ضغوط مكثفة لعب فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دورًا محوريًا. فخلال زيارته لترامب في “مارالاجو” أواخر ديسمبر 2025، استطاع نتنياهو تحويل الدعم الأمريكي المعتاد للضربات الإسرائيلية إلى التزام كامل بشن هجوم مشترك وشامل يهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية. وتطور هذا التعهد خلال أسابيع قليلة من مجرد ضربات لمواقع صواريخ إلى مخطط استراتيجي يهدف لإضعاف النظام الإيراني بشكل حاسم، وهو ما اعتبرته الصحيفة “مقامرة هائلة” قد يحدد ترامب توقيت بدئها، لكنه بالتأكيد لن يملك بمفرده قرار إنهائها.
تقييمات الاستخبارات والاحتجاجات
ساهمت الأحداث الداخلية في إيران، وتحديدًا الاحتجاجات الشعبية العارمة ضد الأوضاع الاقتصادية، في تغيير تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والموساد. فقد رأى قادة الاستخبارات أن النظام أصبح في أضعف حالاته، مما شجع ترامب على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتقديم وعود صريحة للمتظاهرين بأن “المساعدة قادمة”. ومع تزايد الثقة بإمكانية إسقاط النظام، انتقلت الاستراتيجية الأمريكية من الردع إلى الهجوم الشامل، مع مراهنة استخباراتية على أن صعود قيادة عسكرية “علمانية” من قلب الحرس الثوري قد يكون أكثر براغماتية في عقد صفقات مستقبلية مع واشنطن مقارنة بالقيادة الدينية الحالية.
الاستعداد العسكري الكامل
بحلول فبراير 2026، تحول تغيير النظام في إيران من مجرد خيار مطروح على الطاولة إلى “الخيار المفضل” للإدارة الأمريكية. ورغم أن الولايات المتحدة كانت تفتقر في البداية لغطاء جوي كافي وحماية لقواعدها في الشرق الأوسط ضد الصواريخ الإيرانية، إلا أن الحشد العسكري المتسارع غيّر المعادلة. وعندما عاد نتنياهو للاجتماع بترامب في البيت الأبيض في 11 فبراير، كانت خطط “الغضب الملحمي” قد نضجت تمامًا، مدفوعة برغبة ترامب في دخول التاريخ كقائد حطم ألد أعداء أمريكا، وبحاجته الماسة لانتصار خارجي يغطي على تصدعات جبهته الداخلية وملفاته القضائية المعقدة.

















