أثارت التناقضات الصارخة في التصريحات الصادرة من واشنطن وتل أبيب خلال الساعات الأخيرة من شهر مارس 2026 حالة من الجدل السياسي والعسكري حول المدى الزمني الفعلي للحرب الدائرة في إيران وبنك الأهداف المتبقي.
ففي حين خرج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتصريحات تتسم بالتفاؤل المفرط حول قرب نهاية النزاع، مؤكدًا في مقابلة هاتفية مع موقع “أكسيوس” الإخباري أنه “لم يتبق شيء تقريبًا يمكن ضربه في إيران”، كانت الدوائر العسكرية والسياسية في إسرائيل ترسم مسارًا مختلفًا تمامًا.
هذا التباين يعكس بوضوح تضارب الأولويات بين إدارة أمريكية تخشى من تداعيات الحرب على أسعار النفط العالمية والرأي العام الداخلي، وبين حكومة إسرائيلية ترى في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لا تتكرر لتفكيك المشروع النووي والصاروخي الإيراني بالكامل. إن هذا الاختلاف في تقدير “السقف الزمني” يضع العلاقة الاستراتيجية بين الحليفين أمام اختبار حقيقي، حيث تحاول إسرائيل تمديد أمد العمليات العسكرية لأسابيع إضافية لضمان تدمير القدرات النوعية لطهران، بينما يبحث ترامب عن “مخرج سريع” يحفظ استقرار الأسواق الدولية قبل تفاقم الأزمة الاقتصادية.
نتنياهو وسقف عيد الفصح: رهان إسرائيل على “الأسابيع القليلة” لحسم القدرات الصاروخية
على الجانب الإسرائيلي، يبدو أن التوجه يسير نحو إطالة أمد العمليات العسكرية لضمان تحقيق نتائج استراتيجية لا يمكن اختزالها في بضعة أيام. ووفقًا لما سربته صحيفة “يديعوت أحرونوت” من اجتماع مغلق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع قادة المجالس المحلية، فإن إسرائيل تعمل على افتراض أن الحرب ستستمر لعدة أسابيع إضافية بدلًا من أيام قليلة.
ويهدف نتنياهو من هذا التمديد إلى الوصول لمرحلة “تجريد إيران من معظم قدراتها الصاروخية” قبل حلول عيد الفصح اليهودي في أوائل أبريل المقبل. وأوضح نتنياهو في حديثه للمشاركين أن استبدال النظام أو شل حركته لا يمكن أن يحدث “بضغطة زر”، مؤكدًا أن المهمة الحالية تتطلب نفسًا طويلًا وعملًا متواصلًا بأقصى سرعة ممكنة. هذا الموقف الإسرائيلي يتناقض مع تصريح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إيفي ديفرين، الذي أكد امتلاك بنك أهداف واسع وخططًا لتوسيع العمليات، مما يوحي بأن إسرائيل لا ترى أن الأهداف قد استُنفدت كما يروج البيت الأبيض، بل ترى أن المرحلة الأكثر “حدة” لم تبدأ بعد في بعض المواقع الحيوية المدفونة تحت الأرض.
المنشآت النووية تحت المقصلة: تنسيق أمريكي إسرائيلي لضرب “فوردو” واستخلاص دروس “الأسد الصاعد”
في عمق التنسيق العسكري، كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن مناقشات رفيعة المستوى جرت بين كبار القوات الجوية في البلدين حول إمكانية تدمير المواد المخصبة المدفونة في أعماق منشأة “فوردو” النووية عبر ضربات جوية مركزة. وتستند هذه الخطط الجاهزة إلى الدروس المستخلصة من عملية “الأسد الصاعد” التي جرت في يونيو الماضي واستهدفت منشآت في نطنز وأصفهان وفوردو.
وبالرغم من تصريحات مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، التي ادعى فيها تدمير معظم قدرات التخصيب الإيرانية، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى مخاوف من وجود خطط إيرانية بديلة لإنتاج أجهزة طرد مركزي بعيدًا عن أعين المفتشين الدوليين الذين تم طردهم عقب عملية “مطرقة منتصف الليل”. هذا التنسيق العسكري الوثيق يظهر أن الولايات المتحدة، ورغم رغبتها في وقف الحرب، لا تزال تشارك بفعالية في التخطيط للمراحل النهائية التي تستهدف البرنامج النووي، مما يجعل التصريحات السياسية لترامب تبدو وكأنها موجهة للداخل الأمريكي، بينما تستمر العمليات العسكرية على الأرض بجدول زمني يوازن بين المصالح الإسرائيلية والمزايا التقنية الأمريكية.
المتغير الرئيسي: قرار ترامب والرأي العام الأمريكي في مواجهة استراتيجية “النفس الطويل”
تظل كلمة الفصل في أمد هذا الصراع بيد الرئيس دونالد ترامب، الذي يمثل قراره المتغير الرئيسي والوحيد القادر على وقف الحرب في أي لحظة. وتؤكد المصادر الإسرائيلية أن قلق ترامب من ارتفاع أسعار النفط وتأثير ذلك على الرأي العام الأمريكي هو المحرك الأساسي لاستعجاله إنهاء القتال.
وفي المقابل، نقلت قناة “إسرائيل 24” عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب يبحث فعليًا عن مخرج، لكنه يدرك أن وقف الحرب ليس ممكنًا بشكل فوري قبل ضمان عدم قدرة إيران على الرد الانتقامي. وتشير التقييمات النهائية في تل أبيب إلى أن القتال قد يستمر لمدة تتراوح بين أسبوع واثنين آخرين كحد أقصى قبل الرضوخ للضغوط الأمريكية. إن هذه المعادلة المعقدة تضع نتنياهو في سباق مع الزمن؛ فإما أن ينجح في تدمير “بنك الأهداف الواسع” خلال الأيام القليلة القادمة، أو يضطر للقبول بوقف إطلاق نار تفرضه واشنطن قبل استكمال المهام العسكرية بالكامل، وهو ما قد يترك إيران قادرة على إعادة بناء قدراتها في المستقبل القريب.
خلاصة المشهد في مارس 2026: هل تنتهي الحرب “قريبًا” أم تدخل مرحلة الاستنزاف؟
في الختام، يبدو أن الحرب في إيران تمر بمرحلة “عنق الزجاجة”، حيث تتصارع التصريحات السياسية مع الوقائع العسكرية. وبينما يسوق ترامب وحاشيته، مثل ستيف ويتكوف، لانتصار ساحق وتدمير شبه كامل للقدرات الإيرانية لتبرير وقف العمليات، تصر إسرائيل على أن المهمة لم تكتمل بعد وأن المنشآت المحصنة في فوردو ونطنز لا تزال تتطلب ضربات جراحية إضافية. إن التوافق بين الدولتين على العمل معًا واستجلاب مزايا كل دولة في الميدان لا ينفي وجود خلاف جوهري حول “النهاية”.
فإسرائيل تريد تأمينًا لسنوات قادمة، وترامب يريد تأمينًا لأسواق الطاقة والاقتصاد الأمريكي “الآن”. ويبقى السؤال المعلق في فضاء الشرق الأوسط: هل سيسمح ترامب لنتنياهو بإنهاء “المرحلة الحادة” قبل عيد الفصح، أم أن صرخة أسعار النفط ستكون أقوى من صوت الانفجارات في أصفهان؟ الأيام القادمة، وليس الأسابيع، هي من ستكشف عن الوجه الحقيقي للقرار النهائي في واشنطن.
















