الجمعة – 13 مارس 2026 – الساعة 04:40 ص بتوقيت عدن ،،،
عرب تايم/ حافظ الشجيفي
تطل علينا بين الحين والحين دعوات براقة تتدثر بدثار الحكمة والحرص على لم الشمل، وكأننا في حاجة إلى من يذكرنا بأننا جسد واحد، أو كأن الجنوب الذي صهرته النيران وصاغته التضحيات بات جزرا منعزلة تنتظر سفينة إنقاذ تبحر من وراء الحدود. فالحديث عن حوار جنوبي ترعاه الشقيقة الكبرى يضعنا أمام علامات استفهام لا تبحث عن إجابات ديبلوماسية بقدر ما تبحث عن منطق الأشياء، فالحوار في عرف السياسة ليس نزهة فكرية ولا حفلة شاي تقام لتبادل الابتسامات، بل هو أداة جراحية تتدخل حين يعجز الجسد عن مداواة جراحه بنفسه، أو حين تبرز نتوءات خلافية تعيق حركة المسير نحو الهدف الكبير.
وقد تواصل معي طيف واسع من المهتمين، منهم من يرى في الدعوة السعودية طوق نجاة، ومنهم من يتوجس خيفة، وتركز حديثي مع أولئك المتحمسين الذين يحملون ألقابا سياسية وإعلامية رنانة، حيث تواصل بعضهم معي من الداخل وبعضهم من الخارج، وكلهم يدعونني للانخراط في هذا المسار او تأييده ومباركته. ومع انني لست بالذي ينكر فضل الحوار أو يرفض مبدأ الجلوس فوق طاولة واحدة، لان الحوار هو لغة المتحضرين حين تستعصي القضايا الجوهرية، وهو الجسر الذي نعبر عليه لرأب صدع شعبي أو لترميم تباينات تمس المصير المشترك، لكن الغريب في الأمر أن هؤلاء المتحمسين حين تحاصرهم بسؤال بسيط ومباشر حول ماهية القضية التي سننبري لنقاشها، أو ما هي تلك الخلافات العميقة التي تستوجب استنفار الجهود وطي المسافات، يلوذون بصمت مطبق، أو يقذفون إليك بعبارات مطاطية من عينة أن الحوار سقفه السماء.
والقول بأن سقف الحوار هو السماء ليس اعترافا بالحرية بقدر ما هو إقرار صريح بإفلاس القضية المراد التحاور حولها، فالسماء لا حدود لها، ومن لا يملك حدودا لطاولته لا يملك موضوعا لنقاشه. فإذا غابت التباينات المحددة، واختفت الحجج والبينات التي تستدعي هذا الضجيج، فحق لنا أن نتساءل: هل هذا الحوار ناتج عن حاجة جنوبية ملحة أم ناتج عن حاجة سعودية محضة؟ فاذا كانت الشقيقة تبحث عن مخرج لأزماتها أو تسعى لترتيب أوراقها الخاصة، فليس من العدل ولا من المنطق أن يكون الجنوبيون هم الوقود لمدفأة المصالح الإقليمية التي لا تدفئ عظامهم. فالحوار الذي يستحق العناء هو ذلك الذي ينبع من رحم المعاناة الجنوبية الخالصة، ومن الضرورة الوطنية التي تفرضها مقتضيات المرحلة، لا الذي يملى كواجب منزلي على الطالب تأديته لإرضاء المعلم.
يا هؤلاء، الشعب الجنوبي ليس شتاتا تجمعه الصدف، بل هو شعب موحد بوجدانه وتضحياته، يملك بوصلة واضحة لا تخطئ الطريق، وله قيادة واحدة فوضها وأجمع عليها في لحظات فارقة. فما الذي يدفعنا للبحث عن حلول لمشاكل غير موجودة أصلا.. ولماذا تأتي هذه الدعوة اليوم بالذات من الأشقاء في الرياض، وبعد ماذا.. اذ تأتي بعد أن رأينا بأم أعيننا كيف تم التعامل مع القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وكيف جوبهت تلك القوة التي بسطت سيادتها وحررت الأرض الجنوبية بلغة النار والبارود، لفرض واقع سياسي وعسكري يحجم الطموح الجنوبي ويقطع الطريق على إعلان الدولة المستقلة التي كنا على بعد خطوات قليلة من معانقة فجرها.
ويخطئ من يظن أن الحوار في حد ذاته غاية، فالحوار وسيلة لتجاوز عقبة أو للاتفاق على حل، وحين يتحول إلى غاية ينشدها البعض لمجرد الوجود تحت الأضواء، فإنه يفقد شرعيته الأخلاقية ويتحول إلى مطية لتحقيق مآرب لا صلة لها بالوطن، بل تخدم أجندات إقليمية أو دولية تريد إبقاء القضية في غرفة الانتظار إلى أمد غير مسمى. ثم إن الذي لا يملك حجة تقنعك بجدوى الحوار هو في الحقيقة شخص غير مؤهل للجلوس في قاعاته، فكيف يحاور من لا يعرف عماذا يحاور..
والمفارقة التي تدمي القلب وتثير السخرية في آن واحد هي أن الجهة التي تتبنى اليوم دعوات الحوار السلمي هي ذاتها التي اختارت لغة العنف في التعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقصفت جنوده، وقتلت المئات من الشباب الذين لم يكن لهم جرم سوى الدفاع عن أرضهم وفاقد الشيء لا لعطيه . . وكيف نصدق حمامة السلام وهي تخرج من فوهة مدفع.. والأدهى من ذلك، أن ذلك الفريق الجنوبي القابع في الرياض، الذي ينادينا اليوم للحوار، هو ذاته الذي تجرأ في لحظة غياب وعي وطني على إعلان حل المجلس الانتقالي من وراء البحار، دون أدنى مشورة مع القواعد أو الهيئات أو القيادات في الداخل، في قرار مصيري كان هو الأحق بحوار حقيقي وجاد، لكنهم استبدوا بالرأي حين وجب التشاور، وجاؤوا اليوم يدعوننا للحوار حين انتفت الحاجة إليه، فهل بعد هذا التناقض من عقل يستوعب أو منطق يقبل.
















