عرب تايم/ حافظ الشجيفي
في فلسفة الاجتماع السياسي، لا تولد الكلمة من فراغ إلا لتموت في فراغ، ولا يُدعى الناس إلى أمر إلا إذا كان للواقع يد تدفعهم اليه، وللحاجة لسان ينطق فيهم، فالحوار في حقيقته ليس مجرد رصف للألفاظ أو مصافحة بالأيدي، بل هو ثمرة ناضجة تسقط من شجرة الأزمة حين يكتمل نضج الضيق، فإذا ما دعا داعي إلى حوار بغير علة تسبقه، أو سبب يوجبه، أو ضرورة وطنية تفرضه، كان كمن يدعو الجياع إلى مائدة من الأوهام، أو يطلب من المبصرين أن يتلمسوا طريقهم في رابعة النهار بعصا العميان.
وهذا المنطق الذي يحكم طبائع الأشياء يقضي بأن كل فعل لا بد له من فاعل وسبب، والحوار بوصفه إجراء سياسيا وقيمة أخلاقية، يستمد شرعيته وقبوله من وجود مشكلة حقيقية تستعصي على الحل بغيره، أو هو استجابة لواقع مرير يضغط على الصدور، فإذا غابت الدوافع الوجيهة، واختفت المبررات المنطقية، وأصبح الحوار غاية في ذاته لا وسيلة لإصلاح اعوجاج، فقد روح الاحترام في نفوس المدعوين إليه او المعنيين به، وغدا نوعا من العبث الذي يزجي به الفراغ وقته، ذلك أن الشعوب لا تتحرك بالشهوات السياسية، وإنما تقاد بالضرورات التي تمس كرامتها ووجودها ومصالحها العليا.
والمتأمل في دعوة الرياض لما يسمى بالحوار الجنوبي الجنوبي، يجد عجبا في سياقها وتوقيتها، فقد جاءت في أعقاب فعل عسكري مباشر تمثل في قيامها بقصف القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة مطلع يناير الماضي،على نحو ادى الى كبح جماح الإرادة الشعبية التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إعلان الاستقلال التام، فكيف يستقيم في عقل عاقل أن يُضرب المرء بالسياط ثم يُدعى للتحاور حول جراحه مع من أمسك بالسوط.. حيث ولدت الدعوة من رحم الفراغ، ولم تنبثق من واقع معاش، ولا تعبر عن حاجة جنوبية، بل هي إملاء خارجي يفتقر إلى المقدمات المنطقية، فالفشل هنا ليس احتمالا بل هو نتيجة حتمية لمقدمات فاسدة، إذ لا يمكن لبناء أن يقوم بغير أساس، ولا لحوار أن ينجح بغير قضية وطنية نابعة من الداخل.
أما الذين انبروا من الجنوبيين لتأييد الدعوة للحوار في مقالاتهم ومنشوراتهم وتصريحاتهم المختلفة، فقد سلكوا مسلكا غريبا في التجهيل والتعمية، فتراهم يتغنون بقدسية الحوار كأنه وثن يُعبد، دون أن يجرؤ أحدهم على تبيان مقومات الضرورة الداعية اليه، أو شرح الدوافع التي جعلت الحوار قدرا لا مفر منه الآن، اذ يريدون من الجماهير أن تساق إلى طاولة مجهولة المحاور، غامضة الأهداف، معدومة القضايا، وكأن الحوار صك غفران يُمنح لمن يشاء، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين شرعوا يحذرون الناس من مغبة الرفض، متناسين أن الحوار العقيم الذي لا يحمل في أحشائه جنين المشكلة هو مضيعة للوقت، وإهانة للوعي الجمعي الذي يدرك تماما أين تكمن العلة.
والحقيقة التي يحاول هؤلاء مواراتها خلف سحب الدخان البلاغي، هي أن استقلال الجنوب كاد ان يكون واقعا ناجزا، لولا التدخل العسكري الجوي السعودي الذي أعاد عقارب الساعة إلى الوراء في المهرة وحضرموت، وهذا يضع النقاط على الحروف بوضوح يغني عن كل تأويل، فالعائق أمام الاستقلال الجنوب لم يكن ناتجا عن خلاف داخلي، ولا صراعا بين الإخوة، بل هو إرادة إقليمية قررت اعتراض طريق الشعب في لحظة الوصول، فإذا كان الفشل في إعلان الدولة ناتجا عن تدخل خارجي صرف، فأي معنى يتبقى لحوار يبحث عن خلافات لا وجود لها
اما الشعب الجنوبي فقد بلغ حالة من الإجماع المنقطع النظير، وتوحدت رؤاه وأهدافه تحت راية واحدة، فليس بين الجنوبيين من الانقسامات ما يستدعي صلحا أو حوارا لتقريب وجهات النظر، فالمؤتلف لا يؤلف، والموحد لا يوحد، ومن هنا تتجلى الغرابة في دعوة الرياض التي تحاول تصوير الأمر وكأن الجنوب يعيش شتاتا يحتاج إلى لملمة، بينما الرياض ذاتها هي من وأدت حلم الاستقلال في مهده حين كان الجنوبيون على قلب رجل واحد، فالحوار في هذا السياق ليس إلا محاولة للالتفاف على الواقع، ووضع غطاء من الزيف على تدخل صريح حال دون تحقيق تطلعات شعب لم يبقى بينه وبين فجره إلا خطوة واحدة، أوقفها حديد الطائرات لا قصور الحوارات.
















