إنه العيد بعيون أبناء شهداء الجنوب، أولئك الذين كبروا على حكايات البطولة بدل حكايات النوم، وحفظوا أسماء المعارك قبل أسماء الألعاب، وتعلّموا معنى الوطن من دماء آبائهم قبل أن يقرأوه في الكتب.
-العيد حين يكتمل الفرح إلا من مقعدٍ فارغ
في كل بيتٍ جنوبيٍّ ارتقى فيه شهيد، هناك مقعدٌ لا يزال يحتفظ بملامحه. لا أحد يجلس عليه، ليس لأنه محجوز، بل لأنه ممتلئٌ بالحضور رغم الغياب. ومع اقتراب العيد، تتجه الأنظار إليه دون وعي، كأنّ الأرواح تبحث عن ظلٍّ اعتادت عليه.
تقول إحدى أمهات الشهداء:
“نُحضّر للعيد كما كنّا نفعل، لكننا نترك جزءًا من الفرح على الباب، لأنه لا يستطيع الدخول بدونهم.”
أما الأطفال، فهم أكثر من يشعر بفراغ التفاصيل الصغيرة؛ ذلك الأب الذي كان يحملهم إلى صلاة العيد، يشتري لهم الحلوى والملابس الجديدة، يضحك معهم بلا حساب. اليوم، يكبرون على ذاكرةٍ ناقصة، لكنها مليئة بالفخر.
-ملابس العيد فرحٌ يتيمٌ بنكهة الكبرياء
في الأسواق، يختار الأطفال ملابسهم، يتباهون بالألوان الجديدة، يتسابقون في رسم الابتسامات. أما أبناء شهداء الجنوب، فهم يلبسون العيد بثوبٍ مختلف؛ ثوبٍ خيطته التضحيات، وزيّنته دموع الأمهات.
لا يفرحون أقل من غيرهم، لكن فرحهم ناضجٌ أكثر، عميقٌ أكثر. يحملون في عيونهم بريقًا خاصًا، ليس بريق الطفولة وحدها، بل بريق الإرث الثقيل الذي ورثوه عن آبائهم.
يقول أحد أطفال الشهداء:
“أبي لم يشترِ لي ملابس هذا العيد، لكنه اشترى لي وطنًا أعيش فيه.”
كلماتٌ بسيطة، لكنها تختصر حكاية جيلٍ كامل.
-صلاة العيد
حين تصطف الجموع في صلاة العيد، وترتفع التكبيرات، تقف عائلات الشهداء في الصفوفٍ وهي تحمل وجعًا مشتركًا. وأبناء الشهداء يرفعون أيديهم بالدعاء، لكن دعاءهم يحمل نبرة خاصة: “اللهم ارحم أبي.. اللهم اجعل دمه نورًا لوطننا الجنوب.. اللهم اجعلنا على دربه سائرون.”
في تلك اللحظات، لا يكون العيد مجرد مناسبة دينية، بل يتحوّل إلى جسرٍ بين الأرض والسماء، بين من رحلوا ومن بقوا، بين التضحية والاستمرار.
-العيد في ذاكرة الأطفال
الأطفال لا ينسون. ربما لا يتذكرون تفاصيل كثيرة، لكنهم يحتفظون بمشاعر كاملة. يتذكرون ضحكة الأب، صوته، طريقته في المزاح، كيف كان يحتضنهم صباح العيد.
تقول طفلة صغيرة: “كنت أمشي مع أبي الشهيد إلى مصلى العيد، اليوم أمشي مع أمي، لكني أشعر أن أبي يمشي معنا.”
هذا الإحساس ليس خيالًا، بل هو امتدادٌ للروح التي لم تغادر، بل تحوّلت إلى حضورٍ دائم في تفاصيل الحياة.
-الأمهات صانعات الفرح رغم الانكسار
إذا كان أبناء الشهداء يحملون الحزن في عيونهم، فإن الأمهات يحملنه في قلوبهن، لكنهن يصررن على تحويله إلى قوة.
في العيد، تبذل الأم جهدًا مضاعفًا؛ لا لتُخفي حزنها فقط، بل لتزرع الفرح في قلوب أبنائها. تبتسم رغم الانكسار، تضحك رغم الألم، وتُحضّر للعيد وكأن شيئًا لم يتغير، بينما كل شيء قد تغيّر.
إحدى الأمهات تقول: “أنا لا أحتفل بالعيد كما كنت، لكني أحتفل لأن أبنائي يحتاجون أن يفرحوا.”، هكذا تتحوّل الأم إلى وطنٍ صغير، يحتضن أبناءه، ويحميهم من قسوة الفقد.
-الزيارات العائلية
في أيام العيد، تتبادل العائلات الزيارات، لكن في بيوت الشهداء، تكون الزيارة مختلفة. لا تخلو من ذكر الشهيد، من استحضار مواقفه، من الحديث عن بطولاته.
يتحوّل العيد إلى مناسبة لاستذكار القيم، لا مجرد تبادل التهاني. يتعلّم الأبناء أن آباءهم لم يرحلوا عبثًا، بل تركوا رسالة، وعليهم أن يكملوا الطريق. كما يتذكرون والدهم الذي كان يذهب بهم إلى زيارة الأهل ومعايدتهم، ويوصيهم على صلة الرحم.
-ألعاب وأحلام
يلعب الأطفال في الشوارع، يركضون خلف الفرح، لكن أبناء الشهداء يلعبون وهم يحملون في داخلهم حلمًا أكبر. حلم أن يكونوا مثل آبائهم، أن يدافعوا عن وطنهم، أن يكتبوا أسماءهم في سجل الشرف.
يقول أحد أبناء الشهداء: “أريد أن أصبح مثل أبي، شجاعًا، وأدافع عن الجنوب.”
هكذا، تتحوّل الطفولة إلى بداية وعي، وتصبح الألعاب مجرد استراحة قصيرة بين أحلام كبيرة.
-العيد درس في الصبر والانتماء
العيد في عيون أبناء الشهداء ليس مجرد مناسبة للفرح، بل هو درسٌ عميق في الصبر والانتماء. يتعلّمون أن الفقد لا يعني النهاية، بل بداية طريقٍ جديد.
يتعلّمون أن الوطن ليس كلمة، بل تضحية. وأن العيد ليس فقط ملابس جديدة، بل روحٌ قادرة على الفرح رغم الألم.
-رسالة الأبناء نحن امتدادهم
أبناء الشهداء لا يعيشون في الماضي، بل يحملونه معهم إلى المستقبل. يرون في آبائهم قدوة، وفي دمائهم عهدًا لا يُكسر.
يقول أحد الشباب: “أبي رحل، لكن قضيته لم ترحل، ونحن سنكمل الطريق.”
هذه الرسالة ليست مجرد كلمات، بل تعبير عن جيلٍ نشأ على الوفاء، وتربّى على الكرامة.
-العيد حين يتحول الحزن إلى قوة
في النهاية، لا يمكن اختزال العيد في بيوت الشهداء بالحزن فقط. نعم، هناك وجع، وهناك دموع، لكن هناك أيضًا قوة، وفخر، وصبر، وإصرار على الحياة.
إنهم لا يحتفلون كما يحتفل الآخرون، لكنهم يحتفلون بطريقتهم. يحتفلون بأنهم أبناء أبطال، بأنهم يحملون رسالة، بأنهم جزء من قصة أكبر.
-عيدٌ بطعم وطننا الجنوب
في الجنوب، لا يأتي العيد كما يأتي في بقية الأماكن. يأتي محمّلًا بذكريات، بوجوهٍ غابت، بأصواتٍ لا تزال تتردّد في الذاكرة. لكنه يأتي أيضًا محمّلًا بالأمل، بالإصرار، وبالفخر، وبحبٍّ لا ينتهي لوطننا الجنوب.
أبناء شهداء الجنوب لا ينظرون إلى العيد كذكرى عابرة، بل كفرصة لتجديد العهد، لتأكيد أنهم باقون على الطريق، وأن دماء آبائهم لم تذهب سدى.
وفي كل تكبيرة، وفي كل ضحكةٍ ممزوجة بدمعة، وفي كل خطوةٍ نحو المستقبل، يثبت هؤلاء الأبناء أن العيد، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على أن يولد من جديد،
لكن هذه المرة، بعيونٍ تعلّمت أن ترى الفرح من بين الألم، وأن تصنع الحياة من رحم الفقد. إنه العيد كما يراه أبناء شهداء الجنوب، حزنٌ يعلّم القوة، وغيابٌ يصنع الحضور، وفقدٌ يتحوّل إلى وطن.















