تحل اليوم ذكرى عزيزة على قلوب المسلمين في شتى بقاع الأرض، وهي الذكرى الـ 62 لانطلاق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، والتي بدأت بثها الرسمي في تمام الساعة السادسة من صباح يوم الأربعاء 11 ذي القعدة 1383 هـ، الموافق 25 مارس 1964.
انطلقت كأول إذاعة متخصصة في الإعلام الديني في العالمين العربي والإسلامي، وكانت في بدايتها تبث لمدة 14 ساعة يوميًا فقط، وقدمت لأول مرة في التاريخ قراءة القرآن الكريم كاملًا بتسلسل السور، لتصبح لاحقًا المدرسة الأم التي خرجت عمالقة التلاوة والترتيل الذين جابوا وصوتهم الآفاق، محققين شهرة عالمية جعلت الإذاعة واحدة من أكثر المحطات استماعًا حول العالم.
رواد الرعيل الأول: رفعت والشعشاعي
ارتبطت انطلاقة الإذاعة بأسماء حُفرت في ذاكرة التاريخ، وعلى رأسهم الشيخ محمد رفعت “قيثارة السماء”، الذي افتتح بث الإذاعة المصرية عام 1934 بآية “إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا” بعد فتوى بجواز إذاعة القرآن. كما برز الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، الذي كان ثاني قارئ يقرأ بالإذاعة بعد افتتاحها، وتميز بصوته الندي وتجويده المحكم، حيث انتقل من المنوفية إلى القاهرة ليصبح عمدة فن التلاوة في عصره، وقارئًا لمسجد السيدة زينب عام 1939، واضعًا اللبنات الأولى لمدرسة التلاوة المصرية الرصينة.
الحصري وعبد الباسط: سفراء القرآن للعالم
يعد الشيخ محمود خليل الحصري علامة فارقة في تاريخ الإذاعة، فهو أول من سجل المصحف المرتل بأكثر من رواية، وأول من تلا القرآن في الكونجرس الأمريكي وأذن في الأمم المتحدة. وبجانبه، بزغ نجم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد “صاحب الحنجرة الذهبية”، الذي اعتُمد في الإذاعة عام 1951 بعد أن أبهرت تسجيلاته لجنة الاختبار بأدائه القوي الرفيع، ليحصل لاحقًا على وسام الإذاعة في عيدها الخمسين، ويصبح صوته أيقونة عالمية للتلاوة المصرية المجودة.
أعلام دولة التلاوة والابتهال
لم تقتصر الإذاعة على التلاوة فقط، بل كانت مهدًا للإنشاد الديني والابتهالات، حيث برز الشيخ سيد النقشبندي “أستاذ المداحين”، صاحب ابتهال “مولاي إني ببابك” الذي جمع بين صوته وعبقرية بليغ حمدي بتوجيه من الرئيس السادات. كما قدمت الإذاعة الشيخ محمد صديق المنشاوي الملقب بـ “الصوت الباكي”، الذي طور مدرسة فريدة في الخشوع، والشيخ مصطفى إسماعيل الذي مزج بين المقامات وعلم التفسير، مسجلًا أكثر من 1300 تلاوة لا تزال تبث حتى اليوم، تعكس عظمة الأداء المصري في خدمة كتاب الله.
أجيال متعاقبة من العباقرة
استمرت الإذاعة في تقديم المواهب الاستثنائية، مثل الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي التحق بها وعمره 17 عامًا كأصغر قارئ، وساهم في ترميم تسجيلات الشيخ محمد رفعت التالفة. والشيخ محمد محمود الطبلاوي، “آخر حبة في سبحة العباقرة”، الذي احتل مكانة مرموقة منذ صباه. وصولًا إلى الشيخ أحمد نعينع، الطبيب القارئ الذي تعلم التجويد في صغره وأصبح من الوجوه البارزة في المحافل الرسمية والإذاعية، متميزًا بختم تلاوته بعبارة “صدق الله العلي العظيم” التي لفتت انتباه المستمعين.
إرث لا ينقطع
في ذكراها الثانية والستين، تظل إذاعة القرآن الكريم من القاهرة حصنًا لوسطية الإسلام ومنارة لتعليم أحكام التلاوة والترتيل. إن هؤلاء القراء لم يكونوا مجرد أصوات جميلة، بل كانوا علماء في فنون القراءات والمقامات، استطاعوا بصبرهم وإخلاصهم أن يجعلوا من الإذاعة مدرسة عالمية يقصدها الدارسون والمحبون من كل مكان. ستبقى أصواتهم تصدح في الآفاق، تذكرنا دائمًا بأن “مصر هي دولة التلاوة”، وأن إذاعة القرآن الكريم هي القلب النابض لهذا الإرث العظيم.














