في تطور يثير الكثير من علامات الاستفهام، جاءت الغارات الجوية الأخيرة التي استهدفت مواقع تابعة للقوات المسلحة الجنوبية لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مشروعية هذا النوع من العمليات، ليس فقط من زاوية سياسية، بل من منظور قانوني وأخلاقي أكثر عمقًا.
اللافت في هذه الغارات أنها استهدفت قوة محلية تعمل داخل نطاقها الجغرافي، وتضطلع بمهام أمنية مرتبطة بحماية الأرض وتأمين المكتسبات، في سياق يُفترض أنه يعزز الاستقرار لا يهدده. وهو ما يجعل توقيت هذه الضربات وطبيعتها محل تساؤل مشروع: ما هو الخطر الذي استدعى استخدام القوة الجوية ضد قوة تمارس دورًا دفاعيًا في محيطها المحلي؟
القوات الجنوبية: دور ميداني في مواجهة الإرهاب
على مدى سنوات، أثبتت القوات الجنوبية حضورها كقوة فاعلة في مكافحة التنظيمات المتطرفة، حيث خاضت مواجهات مباشرة مع جماعات إرهابية، وأسهمت في تأمين مناطق كانت تمثل بؤرًا للتهديد. هذا الدور لم يكن ظرفيًا، بل جاء ضمن مسار مستمر لتعزيز الأمن والاستقرار.
من هذا المنطلق، فإن استهداف هذه القوات لا يمكن فصله عن تداعياته الأوسع، إذ يطرح تساؤلًا جوهريًا حول منطق التعامل مع القوى التي تتحمل عبء المواجهة على الأرض.
إشكالية المشروعية: بين الضرورة والتناسب
القانون الدولي الإنساني يضع قيودًا واضحة على استخدام القوة، أبرزها مبدأ الضرورة العسكرية، الذي يشترط وجود تهديد مباشر ووشيك، ومبدأ التناسب الذي يفرض أن تكون القوة المستخدمة متلائمة مع طبيعة الهدف.
وفي الحالة الراهنة، يرى مراقبون أن توجيه ضربات جوية إلى قوات ذات طابع دفاعي وتسليح محدود داخل نطاقها الجغرافي يثير شكوكًا جدية حول مدى تحقق هذه الشروط. فغياب مؤشرات واضحة على تهديد عابر للحدود يضع هذه العمليات في دائرة الجدل القانوني، ويجعلها قابلة للتدقيق والمساءلة.
انعكاسات ميدانية تتجاوز لحظة الاستهداف
لا تقف تداعيات هذه الغارات عند حدود الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى بنية المشهد الأمني ككل. إذ أن إضعاف قوة محلية تُعد أحد أعمدة مكافحة الإرهاب قد يفتح المجال أمام عودة نشاط الجماعات المتطرفة، أو على الأقل يمنحها هامش حركة أكبر.
كما أن هذه العمليات قد تُحدث خللًا في ميزان الثقة بين الأطراف الفاعلة، وهو ما ينعكس سلبًا على أي جهود تنسيق أو شراكة أمنية مستقبلية.
دعوات متصاعدة للمساءلة
في ضوء هذه المعطيات، تتزايد الأصوات المطالبة بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد الأسس التي بُنيت عليها هذه الضربات، وتقييم مدى التزامها بالقانون الدولي. فالمساءلة هنا لا تُعد خيارًا سياسيًا بقدر ما هي استحقاق قانوني يفرضه حجم الجدل القائم.
خلاصة المشهد
إن استهداف قوة محلية تؤدي دورًا أمنيًا داخل أرضها، وفي سياق مكافحة الإرهاب، لا يمكن النظر إليه كحدث عابر. بل هو تطور يعيد طرح أسئلة عميقة حول طبيعة الصراع، ومعايير استخدام القوة، وحدود المشروعية.
وفي النهاية، تبقى قوة أي طرف في التزامه بالقانون، لا في قدرته على فرض الوقائع بالقوة. فالمعادلات التي تُبنى خارج هذا الإطار، مهما بدت حاسمة في لحظتها، تظل عرضة للاهتزاز أمام اختبار الشرعية

















